الشاعر عبد الرحيم الخصار : أعطوني أسرع حصان .. لقد قلت الحقيقة للملك



– عبد الرحيم الخصار –

عن : رأي اليوم


لا أذكر أية صورة رأيت ولا أي صوت سمعت ولا أي رائحة تلك التي جذبتني نحوحدائق الكتابة، غالبا ما يتبع الطفل ظلا أوموسيقى أوعطرا يقوده ماكرا ببراءته نحوأشياء يجهلها، فيتحول الشعور نحوها يوما بعد يوم ويتشكل بالتدريج إلى أن يصير ما يشبه الحب.

وجدت نفسي هكذا أكتب، ربما كان هناك سبب ونسيته لأنني ضعيف ذاكرة، ثم إنه ليس من الضروري أن يكون هناك سبب لكل ما يقع على هذا الكوكب، أشياء كثيرة تحدث بالصدفة. لكن حبي الأول للوطن لم يكن كذلك، لعل وراءه تلك الأناشيد التي كانوا يلقنونها لنا في الروض وفي الأقسام الأولى، لعل وراءه أيضا تلك الصور والكلمات التي كانت تخرج من التلفزيون في نشرة الأخبار التي تأتي بعد حصة الرسوم المتحركة. ثم إن صورة الملك الراحل المعلقة فوق رأس والدي بورشته كانت تملأ عينيّ كلما زرته هناك منتظرا نصيبي من السكاكير والحلوى، كان يقول أبي مثلما قال جل الآباء بأن الملك أيام المحن قد ظهر لهم في القمر.

كنا نحن الأطفال في الدرب نركض بحماس زائد في لعبنا العنيفة، ونسب كل شيء إلا الملك. سمعنا مرة أن أحدهم بصق على الدرهم الذي يحمل صورته فأخفوه للأبد، وسمعنا أن من يسب الملك أويعصيه سيذهب لجهنم، واكتشفنا حين كبرنا أن جهنم كانت قريبة منا واسمها “تازمامارت”، هناك حيث أخفى الملك في هذا السجن السري المهجور أولئك الذين حاولوا إزاحته من على كرسيه الأثير، والذين لم يحاولوا أيضا.

في عامي السابع كتبت على ورقة صغيرة مجتزأة من مذكرة شيئا يشبه الشعر عن امرأة مرمية في الصحراء عُنّفت كي تقول بأن الصحراء غير مغربية فرفضت، كانت كلماتي تلك دفاعا مني عن أرض المغرب في الجنوب نكاية بالإسبان وبجبهة البوليساريو.

 لا أعرف كيف انتبهت باكرا إلى هذا الصراع حول الأرض. كانت تلك الأناشيد التي أحفظها قادرة على تحويل طفل إلى جندي مدرّع، فالوطن يكون حارا في دماء الأطفال وفي حلوقهم مثل الثوار تماما، وليس كأهل السياسة الذين ينظرون إليه كقطعة ثلج مذابة في كأس خمر.” وجهها مثل تفاحة صفراء” هذا هوالمقطع الوحيد الذي أتذكره، ولعله لا يختلف كثيرا عما أكتبه اليوم.

في عامي العاشر حصلت على جائزة أفضل تعبير في مسابقة بالمدرسة، سرّني كثيرا أني حصلت على آنية كبيرة من الفخار، مزهرية زرقاء وجميلة ظلت معي طوال سنوات الطفولة، كنت أرنوإليها من حين لآخر كي تذكرني بنجابتي. كان موضوع المسابقة هوعيد العرش، الثالث من مارس هواليوم الذي جلس فيه الملك الحسن الثاني على “عرش أسلافه المنعمين” كما كان يقول المذيع القديم في التلفزيون. كنت أحضر مع الفقهاء قراءة الحزب بعد صلاة المغرب، وغالبا ما أسمع تلك الآيات التي تتحدث عن عرش الله، وأسأل نفسي عن عرش الملك، كيف استطاع الملوك أن يصنعوا عروشا على الأرض تشبه عرش الإله في السماء، ومع مرور السنوات اكتشفت أنهم آلهة، لكن من نوع آخر. الدستور المغربي “السابق” كان يصف الملك بأنه مقدَّس.

قبلها بفترة كان الملك يلقي خطبة غريبة، بدا غاضبا وحادا في ما يقول، سمعته يتوعد الشعب ويصف الذين خرجوا منهم للتظاهر بالأوباش، لم أكن أعرف معنى هذه الكلمة “أوباش”، لكنها بدت لي نشازا، فهوالذي تعودنا أن نسمع منه في كل الخطب “شعبي العزيز″.

على أية حال، حينها لم تكن كل هذه الأشياء تهم طفلا نجيبا حصل على مزهرية زرقاء كبيرة.

أطفال “الخيرية” كانوا يلبسون زي العساكر ويحملون سلاحا من خشب في أعياد العرش “المجيدة” وأعياد “الشباب” و”المسيرة الخضراء”، ونحن كنا نحمل الرايات ونهتف بالأناشيد في الساحات وفي الشوارع، ونمجد الرجل الأول في البلاد بتلك الجملة التي لا زالت تملأ أفواه الفقراء: “عاش الملك”.

في عامي الخامس عشر كتبت قصيدة على البحر البسيط تسخر من الوزراء والولاة الذين يركعون للملك كل عام حين يبايعونه وهوراكب على حصانه وفوق رأسه مظلة كبيرة يرفعها خادم أسود. لم تكن هذه الصورة تشبه صور أبطالي في الرسوم المتحركة وفي الأفلام العربية القديمة التي بدأتُ في تلك الفترة أشاهدها بحب ربما لن يتكرر. أبطالي طيبون: طوم سايير فقير وطيب رغم كسله ورغبته الدائمة في الهروب من المدرسة، ماوكلي الذي ربته الذئاب، سالي الفتاة الحزينة التي أصبحت خادمة بعد أن أفلس والدها ومات، وبيتر صديقها الذي كان سائقا خاصا لها في أيام العز ثم صار يحمل عنها الأثقال أيام العناء، ونحّول وزينة اللذان يرعيان الحب في مدق الأزهار، والصياد الماهر الذي يقف طويلا على ضفة النهر باحثا عن سمكة، رعد كان عملاقا، لكنه كان يحارب الأشرار، وبسيط المغامر الضخم الذي يطلب النجدة من أشواك القنفذ الصغير، ودبدوب الموسيقار الذي يقضي النهار تحت أشجار الغابة متعقبا الألحان. أبطالي الآخرون هم السنافر والشناكل والأقزام وسنبل وعبقور وداي الشجاع ونقار الخشب وصاحب الظل الطويل. لم يكن أحد من أبطالي يجبر الناس على الوقوف في الشمس بجلابيب بيضاء والركوع لحصان.

ولأن الخوف هوالسحابة التي تملأ سماواتنا فقد كتبت القصيدة بلغة سرية حيث كنت أكتب الجملة من اليسار نحواليمين، وأضع للحرف ذي النقطة الواحدة اثنتين وللحرف ذي النقطتين واحدة.

أطلعت أحد أصدقائي عليها فخاف وأخافني، دسست تلك القصيدة في مكان سري بالبيت، ومزقتها لاحقا.

سأفهم وأنا أتقدم من طفولتي نحوالشباب أنه يصعب في مغربنا أن تقول الحقيقة، أن تتنفس رأيك في هواء عليل دون أن تكتم يد سوداءُ أنفاسَك. سأفهم أيضا الأرجنتيني ماركودينيبي حين قال في قصته القصيرة جدا: “أعطوني أسرع حصان، لقد قلتُ الحقيقة للملك”.

 شاعر وكاتب من المغرب

 [email protected]

 




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...