– حسن الحافة –
أيام قليلة فقط تفصلنا عن شعيرة دينية تكلف المسكين في هذه الدولة الكثير.فها هو عيد الأضحى يحل ومع اقترابه تبدأ فرائص المواطنين الفقراء – وما أكثرهم في دولة نهب مسئولوها خيراتها – في الارتعاد جراء ثمن “الحولي”في أسواق جعلها الشناقة وسيلة لكسب أموال إضافية ولو على حساب جيوب المستضعفين من هذا الشعب .
عندما كنا صغارا كنا نسمي هذا الطقس الديني ” بالعيد الكبير”،ربما لأنه الفرصة التي نلتهم فيها اللحم حتى التخمة، وهي الفرصة التي لا تتاح كل يوم من أيام الله، غير أن اليوم لكي يشتري “مزلوط” خروفا “يعمر به عينين مولات الدار” يلزمه الكثير من الأوراق الزرقاء ،بل تعمد الكثير من الأسر الفقيرة إلى بيع أثاثها المنزلي من أجل سواد أعين الحولي، وتكفيك جولة قصيرة في الأسواق الشعبية المنتشرة في مختلف ربوع هذا الوطن لتقف على نساء يعرضن ما خف وزنه وغلى ثمنه.
أصبح العيد شوكة في حلق المواطنين، فبات بعضهم يلجأ إلى الوكالات البنكية من أجل الحصول على قرض “يفك بيه الجرة”، وما إن ينهي آخر قطعة منه حتى تبدأ الوكالة في اقتطاع جزء من مرتبه الهزيل أصلا، فيدخل في دوامة اسمها “الطريطات” حتى قدوم العيد القادم.
تغير الزمن وتغيرت طباع الناس، وأضحى العيد فرصة للتباهي “بالحولي” بين الجارات و نساء الحي. حتى الأطفال تعلموا هذه الخصلة من الكبار، فتجد أحدهم يقول لصديقه الصغير”حولينا كرونو كبار حسن من تاعكم”، فيهرع الآخر باكيا إلى أمه ملحا عليها في تغيير الخروف، دون أن يعي أن أباه وفر ثمنه”غير بستة وستين كشيفة”، فتتحول أسطح العمارات من مكان لنشر الغسيل إلى فضاء لعرض الأضاحي و المقارنة فيما بينها.
لم يعد العيد مثل زمان، ولم يعد جوه يغري بارتداء ملابس جديدة وأنت تشاهد دموع طفل عجز أبوه عن توفير سعر الأضحية، وأنت تدخل السوق فتشاهد على بابه إمرأة لم تجد ما تبيعه غير تلفازها المهترئ. والباقي لاكتمال الثمن، “غادي إيجيب الله” كما تقول بنبرة يخالطها إحساس “بالحكرة”، الحكرة نفسها التي يحس بها أب ولج منزله فأخرجه سؤال ابنه البريء”شريتي الحولي أبابا ولا باقي؟” من تفكيره. إنها صور فقط لآلاف يعيشون كل سنة نفس المعاناة، وغيرهم من الذين نهبوا البلاد لا يجدون أدنى صعوبة في جلب “نانسي” أو “هيفاء” لحفل زفاف بناتهم و أولادهم، فما بالك بشراء “كبش ذو قرنين أملحين”، وكلما أحسوا أن سيارتهم “الكات كات” لم تعد تناسب مقامهم غيروها بأخرى، عميلة لا تكلفهم سوى جرة قلم على ورقة بيضاء سيدفع ثمنها ذلك المسكين، الذي يبدأ في التفكير لعيد الأضحى ما إن ينتهي شهر رمضان، إنها مفارقة في دولة تلجأ لي مساعدة المنكوبين في دول أخرى، دون أن ينال منكوبوها حقهم من ثرواتهم و خيراتهم والتي كانت ستوفر لهم ثمن “الحولي” وهم بكرامتهم.
عندما كنا صغار كنا نشاهد الملك وهو يذبح خروفين دون أن نعي لماذا خروفين؟ وعندما فهمنا أن الثاني هو تعبير عن تضامن جلالته مع الفقراء غير القادرين على توفير كبش بنفس مواصفات ما كان يذبحه هو، أدركنا أن هذا الشعب المذبوح كل يوم ينظر لتلك العملية بنظرة شكر، دون أن يعلم أنه هو المذبوح وليس الخروف. ليبقى حلم”الحولي بكرونوا” مؤجلا لعيد آخر الله و من يذبح بدل الفقراء أعلم.

