و أنا تلميذ، كان يخالجني شوق كلما سمعت طالبين يتهامسان حول الجامعة، فكبرت و كبرت معي رغبة اكتشاف من جعلت ابن جارنا يحظى بتلك الهالة من التقدير والإحترام .
عندما حصلت على شهادة الباكلوريا قفزت فرحا ، ليس لأنها فتحت لي ” باب العمل “، بقدر ما اعتبرتها ” فيزا ” تسمح لي بسبر أغوار من جعلت الحسن الثاني يخطب ذات ليلة على شاشات التلفاز متوعدا طلابها بأقصى العقاب لفكرهم و نضالا تهم.
جررت رجلي ، ومعها خطواتي الأولى حالما بأن أتكلم بلغة إبن الجار ، داسا دفتري بين يدي متوهما أن غزارة المعلومات لن تكفي صفحاته البيضاء لعدها، ظننت أن على مدرجاتها سأنهل من بحر العلم ، وعلى كراسي ” مقصفها” سأنظف آذاني بنقاشات الفكر و السياسة و الأدب. لم أكن أتصور أن المد مهما بلغ تراجعه سيصل إلى هذه المسافة ، و أن التراجع كيف ما كان، لن يكون بهذه الشاكلة ، حتى أضحى الأمس رجاء نتمنى أن يعود.
لم يكن الواقع كما قرأناه، ولم يعد حال الطلاب كالذين جعلوا الحسن الثاني لا ينام ليله بارتياح، لم تكن المدرجات حلبة نقاشات بين الطلاب، بل أضحت فرصة بين طلاب و طالبات لشرح أطوار حلقات المسلسلات التركية وقصص العشق بين أبطالها، و أصبح اسم ميسي و رونالدو و غيرهم يتناهى للسمع، أكثر من أسماء الفلاسفة و الكتاب. و في كثير من الأحيان يجمع الأستاذ أغراضه مغادرا كلما رأى بأنه في واد، و من يجلس فوق كراسي المدرجات في واد آخر، يغادر غير آسف و لسان حاله يردد “على من تعاود زابورك آداود”.
بالأمس ،كان حصول شخص على الباكلوريا عيدا لأسرته، فتنزل عليه التبريكات محاطة بنظرات التقدير و الاحترام، وتجده يسير مزهوا كطاووس وسط سرب من الدجاج ، فيجتهد في إلتهام الكتب طيلة العطلة لأنه يعلم أن الجامعة لا تقبل من لم يكن همه تحصيل المعرفة. أما اليوم فأصبح الحصول على ” ألباك”، تحصيل حاصل، ولم يعد صاحبها يحظى بتلك النظرات، فيصبح همه جمع المال من أجل ملابس ٱخر ” موضة”، و هواتف من طراز ” أيفون”، كأنه ذاهب لاستعراض مفاتنه في مكان شيد أصلا للمعرفة.
لم يعد للجامعة تلك الحرمة التي يشيب لذكرها الولدان ، بعد أن دنسها ” مني” مسح على جدار أحد أسوارها، ولم تعد صفة طالب جامعي تخيف حتى ” المقدم “، فما بالك بأكبر صلة بالبلاد، بل تحولت لتهمة تجعل حاملها ” مبلي”، و حاملتها ” مومس” تنام في أحضان صاحب أول سيارة يقف لها.
أصبح من النادر رؤية طالب متأبطا كتاب ، وتحول “المقصف” إلى مكان لضرب المواعيد الغرامية، و التندر بالحكايات الجنسية، بعد أن كان فضاء ا للفكر و النقاش، وأرجعت ممراتها خشبات لعرض الأزياء، بعد أن استعصى على العقول أن تستخدم.
“إنه زمن جميل” ، هكذا حكي لي ” با عبد السلام ” ، أحد الذين ملأت قلوبهم مرارة ما وصلت إليه الجامعة اليوم ، و بكلمات تخللتها غصة تأسف فيها على الحال ، حال لا يبشر بخير، فأطلق العنان للسانه ينشد: ألا ليت الزمان يعود…….. وبه وجب الإعلام.


