أضيف في 15 ماي 2019 الساعة 18:14


سعد الله ونوس و مسرح التسييس


 - اسماعيل رموزي -

     بلور سعد الله ونوس مفهوم "التسييس" فى المسرح كشكل تجريبي اكتسب  صفات وخصوصيات جعلته  يتميز عن أنواع أخرى. هذه الخصوصيات برزت كنتاج لمرحلة شكـــــلت منعطفا تاريخيا حاسما وخطيرا بالنسبة للمجتمعات العربية، وهي مرحلة نهاية الستينيات من القرن العشرين ، خاصة بعد هزيمة يونيو1967 ، التي كانت قاسية وشديدة الوطأة على كل من كانت آماله معلقة على مشروع سياسي واقتصادي وفكري كان مجرد وهم سبح فيه جل المفكرين البرجوازيين الصغار، ومن بنيهم المهتمين بالأدب والفن بالعالم العربي ..هذه الهزيمة التي فرضت، وبشــــــــكل لم يحتمل التأجيل حينها، الإجابة عن تساؤلات عدّة تم التغاضي عن طرحها من قبل، حول الوضع القائم على مستوى الأدب والفن، كما في السياسة والاقتصاد.. أسئلة حول أزمة كانت قائمة فعلا، حاول الكثير تفاديها، خاصة أولئك المرتبطون سياسيا وفكريا بالمشروع القومي البرجوازي، الذي أثبت تطور الأحداث فشله وعجز البرجوازية الصغيرة عن قيادة الثورة لتغيير الأوضاع القائمة...

      قبل 5 يونيو 1967، كان أغلب المشتغلين و المهتمين بالشأن الثقافي عموما والمسرح بصفة خاصة ، يتوهمون بممارسة تجارب مسرحية حدودها الفن، عبر تقديم و عرض تجارب من ريبرتوار المسرح العالمي، و أن أي اهتمام بالقضايا السياسية، فهو تجنّ على فنيته... . كان هؤلاء منسجمون، آنذاك، مع قناعاتهم في هذا المجال ..ففي فترة الخمسينيات مثلا، كان المسرح يواصل العمل بدون أزمــــة، لأن الأعمال الفنية التي قدمت حينها كانت صادقة و منسجمة في أشكالها و مضامينها، إذ كانــــــت تعرض وفقا لرغبة و حاجة متفرجين على المقاس، و هم جمهور الطبقة السائدة ، أي برجوازيـــــة المدن الكبرى و مثقفوها.. .  و المسرح المقصود هنا هو – المسرح "القومي"- الذي نشأ في أواسط الخمسينيات، وجعل من نفسه حلقة وصل بين المسرح الأوربي بمعناه البرجوازي (الخشبة الإيطالية ،الجدار الرابع...) والواقع المحلي الذي لم يستطع أن يبلور له مسرحا قادرا على التجربة و البحث...

     غير أنه في النصف الأول من ستينيات القرن العشرين، أي المرحلة التي بدأت فيها إجراءات التأمـيــــم، كنتيجة للتغيير السياسي الذي زعزع مواقع القوى الطبقية، حيث لم تعد البرجوازية التقليدية وحيدة السيادة، بل ظهرت على المسرح السياسي-الاقتصادي جماهير البرجوازية الصغيرة والطبــقـــــــات الكادحة ...  . في هذه الفترة، لم يعد بوسع المسرح الوفاء لجمهوره القديم، و صار لزاما علـــيه استيعاب التغير الذي حدث في مواقع السلطة، و إدراك حتمية انعكاس هذا التغير عليه..

أولا- مسألة تحديد الجمهور

     رواد المسرح آنذاك ، حاولوا الابتعاد عن هذه المتغيرات، اعتقادا منهم – بوعي أو بدونه- أن تأثر المسرح بها، أو "إقحامه" في أزمة هو "بعيد" عنها، سيفقده هويته كفن. لكن الحال، لن يمضي أكثر من ذلك، بحكم الضغط الذي فرضه الواقع الجديد و بداية ترسخ توجه إيديولوجي برؤيـــــــــــة ومنطلقات جديدة..  مما دفع المسرح إلى ضرورة تغيير جمهوره، وأصبح مفروضا عليه التفاعل مع الإشكالات الحقيقية للجماهير. و هنا، بالضبط ، ستبدأ الأزمة الحقيقية للمسرح، خاصة لمّا اعتــــقد العاملون به أن التوافق بإخلاص و نوايا حسنة مع حاجات و أحلام هذا الجمهور الجديد، قادر على تغيير اتجاهات حركة ثقافية فكرية معقدة بمضامين و مواقف جديدة .هذا بالضبط ما انتقده سعد الـــله ونوس بشدة في اولئك الذين اتفق جلهم، في تلك الفترة، على أن المسرح العربي يعيش أزمة، لابد من التصدي لها و تجاوزها ..لكنهم –في الحقيقة- كانوا يصرون على إخفائها و تجاهلها، و عدم فــــتح نقاش جاد لمواجهتها.. و خاصة عند إثارة مسألة تحديد الجمهور الذي يتوجه إليه المــــــــــسرح ، ف"تغيير الجمهور في المسرح موقف معقد لا تحققه النوايا و الأماني ، و لا تبلوره إلا شروط صعبة ، أولها و أكثرها بداهة ،القدرة على تحديد هذا الجمهور ، و معرفة تركيبه الاجتماعي ، و طبيعة حركته و قضاياه الأساسية (.......) و الشرط الثاني لتحديد الموقف الثقافي الذي يقتضيه تغيير الجمهور ، هو أن يتفق المضمون الفكري للمسرح ، أو للقائمين عليه ، مع المصالح الحقيقية لهذا الجمهور..(......) أما الشرط الثالث (....) فهو أن نمتلك كمسرحيين القدرة و الوسائل اللازمة للتفاعل بشكل جـــــــــدّي ومستمر مع هذا الجمهور ،و لا يجوز إطلاقا أن نفهم الجمهور فهما ساكنا ...لأنه يصارع ، يحيـــــى ويتحرك دون توقف في مسيرة تاريخية اجتماعية طويلة."(1).

     لهذا، و في تحليله للظاهرة المسرحية، و ردّا على أصحاب المناهج المنطلقة من فهم ساكــــــن وتعريف ضيّق لهذه الظاهرة ، الذين يحصرون مشاكلهم في مسألة الهوية ، فقر النصوص ، اللغــــة والإمكانيات المادية ..الخ.. نجد سعد الله ونوس ، ينطلق من كون المسرح يمتاز عن غيره مـــــــــــن الأجناس الثقافـــية بأنه "حدث اجتماعي" ، و كان كذلك منذ نشأته و لا يزال .. لذا فأي تحليل أو بحث فـــــــي الظاهــــــــرة المسرحية – و ربما الأدب و الفن بشكل عام – يفرض البدء من الجمهور، وهذا يعني طرح مجموعة من الأسئلة ، والإجابة عنها ستبلور كل ما هو جوهري في المسرح .أهمّ هــــذه الأسئلة : من هو هـــذا الجمهور الذي نتوجه إليه ؟ ماذا نريد أن نقول لجمهورنا ؟ في أيّ اتـــــجاه ، وبأيّ كيفية، تتطور وتتبلور علاقتنا و تفاعلنا مع هذا الجمهور ؟

    تأمّلنا الجيّد لهذه الأسئلة يبيّن لنا الترابط الجدلي فيما بينها . فالإجابة عن السؤال الأول، أي مسألة تحديد الجمهور، يتضمن – بشكل أو بآخر – موقفنا الفكري و السياسي منه، "فنحن إذ نخــــــتار الجمهور، إنما نتّخذ موقفا فكريا و اجتماعيا هو بالذات الذي سيملي علينا مضمون أعمالنا، و الأفكار التي نريد عرضها و إبراز ديناميتها "(2). لذا، فإن المهتم أو المشتغل بالمسرح، الذي لا يبالي بعمق و خطورة هذه الأسئلة ، هو ذاك الطامح الحالم –أو بصيغة أصحّ – المتوهم لـ"مسرح راق" يحضره متفرجون على المقاس، يفترض فيهم النظافة و حسن الهندام و جمال المظهر، و لا يحدثون ضجيجا داخل قاعة مغلقة، يفترض فيها كذلك، أن تكون بكامل تجهيزاتها و تقنياتها و طقوسها الشكلية و" الأنيقة" ...  . فالكثير من هؤلاء المسرحيين  من كان ينادي بشعارات وازنة و رنانة ، من قبـيــــل:      " المسرح للشعب " ، "المسرح للجماهير "، " المسرح للطبقات الكادحة "...، و ذلك بهدف توسيع قاعدة المتفرجين ... لكن، لو تأملنا جيّدا الأعمال المسرحية التي عرضت ، نجد أن أغلبها قدّم في صالات مغلقة أمام نفر قليل من المتفرجين يمثلون "نخبة مثقفة" من البرجوازيين الصغار ، الذين يحضرون لأجل الانتشاء الأنتلجنسي ، و هم في وضع استرخاء ، جالسين في عتمة تواجه إنارة – تارة تكون خافتة ، و تارة ساطعة ، و بألوان انسيابية مختلفة – تسلّط على أجساد تتحرك و تتحدث لتقدّم وجبة لهؤلاء ، تحقق لهم لذّة أشبه ما يكون باستمناء فكري و اجتماعي يشبع رغباتهم عبر هذه العلاقة الهادئة (صالة /خشبة ،عتمة / ضوء ...) ، وكعادتهم ، في ختام أي عرض مسرحي ، يملؤون الصالة تصفيقا ، ثم ينصرفون ضاحكين ،وعبارات الإعجاب تتناثر من أفواههم ،... إعجاب بـــــماذا ؟ بالعرض المقدم ؟ بهدوء القاعة ؟ بوضعية الجلسة ؟ بالإخراج ؟ بالفضاء السينوغرافي ؟ بأداء هـــــذا الممثل أو ذاك ؟ هذه الممثلة أو تلك ؟ أم ماذا ؟... كيفما كان الإعجاب بالعمل الفني ، فــــلن يخرج عن نطاق ممارسة عادة برجوازية أو برجوازية صغيرة ، هدفها هو الظهور بمظهر" البطل "، " المثـقف" ، "الواعي" أكثر من غيره... مظهر مريض لا يمتّ بصلة للإشكالات الحقيقية الـــــــتي تعيشها الجماهير .. .و هذا لا ينطبق على المتفرجين و حسب ، بل و كذلك على المشتغلين بالمـــسرح الذين يزعمون أنـــهم يعرضون مسرحيات تتضمن إشكالات الواقع الحياتي للجماهير، ولكنهم ، فـــــي الحقيقة ، يقدمونــــــــها بأشكال تؤدي إلى إفراغها من مضامينها ، وبالتالي المساهمة في التضلــــيل والتشويه... فمصطـــــلح "الجماهير" صار لديهم – و من كثرة تداوله – لفظة للاستهلاك و التظاهــر به كشعار يتماشى و موجة الاتجاه اللفظي السائد.

    إن المسرح – كما باقي الأجناس الأدبية و الفنية – الذي لا ينطلق من البيئة الحقيقية لجماهير الشعب ، و لا يعكس أوضاعها و مشاكلها و مطامحها، فهو مسرح لخدمة أعداء الشعب ، هدفه هو ترسيخ ثقافة الطبقات الرجعية السائدة ، و تثبيت الانتماء الفكري و السياسي لها ، " فلا وجود لأدب أو فن فوق الطبقات "(3) ،و الجمهور الذي على مسرحنا التوجه إليه هو جماهير البروليتاريــــــــا والفلاحين و باقي الطبقات الكادحة.. ، مسرح ينطلق من الواقع الحقيقي لهذه الجماهير ، لا مسرحا ميتافيزيقيا .، مسرح يتفاعل ، و باستمرار ، مع الجماهير سياسيا و اجتماعيا فكريا و فنــــــيا ..  لا مسرحا منعزلا عن إشكالاتها و آلامها و آمالها و طموحاتها .. .مسرح يكون معلّما ، و في نــــفس الوقت ، تلميذا لهذه الجماهير ، لا مسرحا ينصّب نفسه سيّدا متعاليا عليها ، مسرح يهدف إلى تحرير الجماهير من السلبية ، و تنمية الوعي لديها ، كي تستطيع امتلاك الجرأة على المناقشة و التفكير في قضاياها السياسية و الاجتماعية ، ليتعمق لديها الإدراك بالمصير المشترك.. "إننا نصنع مسرحا لأننا نريد تغيير و تطوير عقلية ، و تعميق وعي جماعي بالمصير التاريخي لنا جميعا "(4).. هذا هـــــــو المسرح الذي يدعو إليه سعد الله ونوس ، مسرح ثوري مهمته " أن ينطلق من الحقيقة ، و أن يكثّف الخلاف الاجتماعي ليحوله إلى عنصر اتهام ، فيمهد بذلك للثورة و النظام الجديد "(5).

   لكن ، هناك من يعتقد أن هذا الكلام هو الذي يفقد المسرح هويته كفن ، و يمكن أن يؤدي إلى نفور الجمهور منه ، بذريعة أنه – أي الجمهور – يحضر إلى قاعات المسرح من أجل المتعة و الترويح عن النفس...الخ ،أمّا الارتباط بالجماهير، فيكون في ميادين المظاهرات و الخطابات السياسية و الإضرابات و مختلف الأشكال الاحتجاجية في الشارع .. . من يقول هذا الكلام ، فهو مجانب للصواب تمامـــــــا، فالمسرح  إمّا أن يكون هادفا و مساهما في اتجاه التغيير الثوري، ملتزما بقضايا الطبقات المضطهدة (بفتح الهاء)، و إما أن يكون رجعيا يخدم مصالح الطبقات المضطهدة ( بكسر الهاء) .. أي أن المسرح ، و الفن و الأدب عموما ، لا يخرج عن مجريات الصراع الطبقي ، و لا مناص له من خدمة سياسة طبقة أو طبقات معينة ، و كان كذلك منذ نشوء مجتمع الطبقات ، ف "المسرح منذ نشأته كان سياسيا "(6) . إلا أن أيّ جنس إبداعي، لابد من التعامل معه بمحتوياته وأشكاله، فالكلمة التي يحملها هذا الفن أو ذاك، لابد لها من شكل لقولها . و المسرح الذي نريد خلقه هو ذاك المسرح الذي يفرض حضور الإثنين : القول السياسي الذي يحمل مضمونا جديدا و رؤية جديدة للمجتمع ، و الشكل الجمالي الذي يعمل على تحقيق هذا القول.. ف"أفضل طريقة لقول شيء ما ، هي العمل على تحقيقه . و إن لم نعرف كيف نحققه ، فنكون ، حينها ، قد قلنا عكسه "(7) ،أي أن نقول و نعرف كيف نقول . أن نصنع إبداعا يلازم بين عنصر اللذة و عنصر المعرفة ، فالمسرح ينبغي أن "يسير في خطّيـــــــن تحددهما وظيفتا الإمتاع و  التعليم .. وظيفة تزيد من قوة التسلية ، و أخرى ترفع من قيمتـــــــــــــه    التعليمية " (8) و ذلك لخلق متفرج قادر على نقل الخبرة الفنية المتحققة من خلال العرض المسرحي إلى الواقع الاجتماعي . هذا المتفرج الذي تمّ تخديره و تخريب ذائقته ، بفعل برنامج إعلامي ضخــــم مخطط له من طرف نظام سائد ، هدفه تعميم السطحية و التفاهة و تشييع كل ما يمكن أن ينتهي إلــــى هرج صاخب و مائع، أو إلى ماض مظلم بثقافته الرجعية ، علينا أن نبعث فيه – أي المتفرج- روحــــا جمالية جديدة تنقذه من الاستلاب الذي يمنعه من إدراك واقعه ، و تجعله يواجه التفاهة و الـــــــرداءة السائدتين بذائقة جديدة و نقية ...

    و لتحقيق ذلك ، ينبغي على المشتغل بالمسرح أن يحمل فكرا قادرا على دراسة المجتمع دراسة علمية ، دراسة مختلف طبقاته و العلاقات فيما بينها ، و الأوضاع الخاصة بكل طبقة .. ، يجب أن تتشكل و تترسخ لديه القناعة التامة بفكر الطبقة القادرة على قيادة جماهير الشعب في مسار التغيير الثوري للمجتمع ، أي أنه لكي يخدم أوسع الجماهير (عمال ، فلاحين و سائر الطبقات الكادحة .. ) ، لابد له من اتخاذ موقف البروليتاريا لا موقف البرجوازية أو البرجوازية الصغيرة .

    من خلال ما سبق ، يمكن القول بأن مسرح سعد الله ونوس يسعى إلى الإسهام في عملية الرفع من وعي الجماهير ، و تفتيح عيونها لزعزعة ثقتها برسوخ الأوضاع القائمة ، و ذلك باتجاه تقدمي يهيئ لتغييرها .. فالهدف من مسرح ونوس إذن هو تسييس الجماهير .

ثانيا – مفهوم " التسييس" عند سعد الله ونوس

        كما سبق ذكره ،فالقول بممارسة تجارب  مسرحية حدودها الفن، وربط المسرح بالسياســــــــة، يعتبر اعتداء على فنيته ،  ماهو إلامساهمة في الخداع والتضليل..فهزيمة1967 ، كان لها دور حاسم في كشف هذا التضليل ، وبعث صحوة فكرية في أوساط المثقفين ، وخاصة أولئك الذين ساهمـــــوا فيه..." لذا كان لابد من اكتشاف ماهو بديهي ، وهو أن المسرح منذ نشأته كان سياسيا" (9) . وفي  المجتمع الطبقي، لا وجود لأدب أو فن يغض طرفه عن  السياسة . أما المسرح الذي يدّعي "الحياد"، فهو- بشكل أو بآخر- مسرح سياسي . و "حياده" هذا ، ماهو إلا تكريس للواقع السياسي والفكري السائد فهو لا يخرج عن نطاق العلاقة الجدلية القائمة بين البناء التحتي (علاقات الإنتاج الاقتصادي ) و البناء الفوقي ( السياسة،الفلسفة،الدين،الفن...).

    إلا أن مصطلح "المسرح السياسي" ، قد تمت بلورته من قبل ، ومن خلال تجارب مسرحية بكشفها القناع عن الطرح الكلاسيكي للمسرح الأرسطي . ومن بين هؤلاء ، اروين بيسكاتور(...) الذي عرف مسرحه بهذا الاصطلاح ، وكان يحمل مضمونا سياسيا ثوريا واضحا... وقبله المخرج الأسترالـــــــي ماكس رينهارت(...) ، ثم المخرج الألماني ليوبولد جسنر(...) والمخرج الروسي فيسفولــــــــــــــــــد مايرهولد(...) وآخرون ، فقد وجه هؤلاء اهتمامهم ، في بدايات القرن العشرين ، لهدف تسيــــــيس الجمالية ، ووضع المسافة و قلب القيم الدرامية السائدة للمسرح البرجوازي ، و القطع مع النسق العاطفي التضليلي لستانسلافسكي .... وقد كان التأثير و التأثر المتبادل بين هِؤلاء مساهما قويا في التمهيد لمسرح وضع بصمته التاريخية في تثوير الممارسة المسرحية ، واستطاع أن ينال الإجلال حتى من أعدائه (مثقفي البرجوازية) ، ألا وهو "المسرح الملحمي"  لبرتولد بريشت (...).

      إلا أن "المسرح السياسي" بتنوع اصطلاحاته(10)، في أوربا خاصة ، كان يحمل مضاميــــن سياسية تتفق وحاجات تلك المرحلة ، في خضم المعركة ضد المسرح البرجوازي المتيبس . فمسرح بيسكاتور أو بريخت ، بارتباطه بأسس الفلسفة الماركسية ، كان يتواصل مع جمهور له تاريخــــــه النضالي وتجربته في العمل السياسي ، ألا وهو جمهور البروليتاريا الصاعدة في أوربا ، المفترض فيها ضمان السند المادي لاستمرار هذا المسرح ، ف "المسرح البروليتاري يفترض أن تمتلــــــــــك  البروليتاريا الوسائل المادية الضرورية لتسييره ، إنه يفترض أن تتشكل البروليتاريا سيا ســيـــــــــا  واقتصاديا بآعتبارها قوة مهيمنة "(11). لكن ، مفهوم"التسييس" قد بلوره سعد الله ونـــــــــوس ، لما اكتشف الالتباس الفكري الذي يحفّ به مصطلح " المسرح السياسي" ، ف"القول ، بأن كل مسرح هو مسرح سياسي ، لا يحل المشكلة ، بل يزيدها تعقيدا .  فمسرح بول كولوديل السلفي المتزمت هو مسرح سياسي، ومسرح آرترميللر التقد مي الملحمي هو سياسي أيضا ، لهذا لابد من التفريق بيـــــن هذه التيارات كي نحدد التوجه السياسي الذي نريده"(12).  إذن ، فو نوس ، وبآستفادته العميقة مـــن بريخت ، أراد أن يتقدم بالتسييس خطوة أعمق في تعريف المسرح السياسي ، لهذا تحتل مسألــــــــــة التسييس ، المكانة الجوهرية في المسرح الذي يدعو إليه . المهم  هنا، هو أية سياسة  يخدم هــــــــذا المسرح أو ذالك ؟ و كيف ؟ سياسة لخدمة الرجعية وتكريس الأوضاع القائمة أم سياسة تدفع باتجـــاه التقدم والثورة ..فمسرح التسييس هو المسرح الذي :

 أولا: يحمل مضمونا سياسيا وفكريا وتقدميا، يطرح الإشكالات السياسية من خلال قوانينها العميقة وعلاقاتها المتشابكة داخل البنية السياسية والاقتصادية للمجتمع..

ثانيا: يفترض فيه البحث عن أشكال فنية و صيغ جمالية مرتبطة جدليا بالمضمون الفكري و السياسي الذي يحمله هذا المسرح.

   فالجانب الأول ، أي مضمون مسرح التسييس ، يتعلق – كما سلف ذكره –بالجمهور الذي يتوجه إليه ،و هو جمهور الطبقات الشعبية التي مارست عليها الطبقات السائدة – المسيطرة عـــلى أدوات السلطة السياسية و وسائل الإنتاج الاقتصادي – سياستها الرجعية ، كي تظل جاهلة بأوضاعها و غير مسيّسة. لذا فجمهور الطبقات الشعبية  ، المأ مول فيها أن تكون مستقبلا بطلة الثورة و التغيـــــير ، يحتاج فعلا إلى التسييس .

    أما الجانب الجمالي في التسييس فيقصد به التوجه إلى " جمهور نحن نعلم سلفا أن وعيه مستلب ، وأن ذائقته مخرّبة ، و أن وسائله التعبيرية تزيّف ، و أن ثقافته الشعبية تسلب و يعاد توظيفها في أعمال سلطوية تعيد إنتاج الاستلاب و التخلف " (13) ، و ذلك من أجل إنقاذ وعيه ، و إخراجه من السلبية ، و بعث ذائقته من جديد ، انطلاقا من بيئته و حياته الزاخرة بشتى الأنواع و الأشكال الفنية التــــــــي   لا تنضب . فحياة الناس بمثابة منجم المادة الخام لأي فن يهدف إلى التغيير ، "إن حياة الشعب يكمن فيها أساسا منجم المواد الخام للأدب و الفن ، مواد على حالتها الطبيعية خشنة ، لكنها في نــفــــس الوقـــــت أعظم الأشياء حيوية و غنى و أكثرها أصالة "(14) . فقد اعتبر ونــــوس مسرحه إطارا للعمل و البحث و التجريب ، و ليس صيغة جاهزة ، حيث اقترح صيغا مسرحية متنوعة قادرة على خلق فعالية ما مع الجمهور . هذه الصيغ تنطلق من عادات الفرجة المحلية ، و تتيــــــح للجمهور الدخول في التجربـــــــــة  والتحاور معها و تنميتها ... فتقنيات " الحكواتي – المرآة " و"المسرح داخل المسرح " و " مغني الربابة " ... أشكال اعتيادية وظّفت في مسرحياته " حفلة سمر من أجل 5 حزيران " و " مغامــــرة رأس المملوك جابر " و " الملك هو الملك " ...الخ، بأساليب يمكن أن تجعل النص المسرحي قابــــلا لعرضه ، ليس على خشبة المسرح التقليدية و حسب ، بل و كذلك في أكثر الأماكن عمومية .. صيـــغ تجريبية فنية تنطلق من المشاكل الحياتية للمتفرج باعتباره فردا من طبقة مسحوقة ، صيغ تضفـــــي الخصوصيات الفكرية و الجمالية لمسرح التسييس .

      إلا أن هذه الصيغ و التقنيات ، لا تعني الانكفاء على الذات ، و رفض كل ما هو أجنبي (غربي ) ، بل على العكس ، فونوس مثلا ، كان متحمسا لمقولات بريخت ، و استفاد كثيرا من مضامـيـــــــــــــن مسرحياته ، لكن التقنيات المستخدمة عند بريخت في اوربا ، كانت موجهة لجمهور له قابلياته الخاصة و رصيده المسرحي ، لذا كان مفروضا البحث في البيئة المحلية عن أشكال الاتصال التي توفر الفعالية المتوخاة ، و التي تحقق المبتغى من محتويات الأعمال المعروضة محليا .

       أما فيما يتعلق بالاستفادة من التراث ، فسعد الله ونوس لجأ إلى مسرحية الأمثولة و الحكايات الشعبية المستلهمة من التاريخ ، ليس لأجل تأصيل المسرح ، بل من أجل جمهور له موروثه الشعبي و التاريخي .. . كما أن استلهام أمثولة من هذا الموروث ، ليس من أجل الاجترار – ما دامت معروفة مسبقا عند الناس -  ( الفيل يا ملك الزمان نموذجا ) ، بل من أجل تحقيق فرصة للجمهور كي يتأملها ، و يتدبر العبرة المستخلصة منها في زمانه الحاضر و مشكلاته المعاصرة .

ثالثا – الحكواتي سعد الله ونوس

      ( حول الحكاية في بعض مسرحيات ونوس ) (15)

   تعتبر الحكاية في مسرح التسييس من بين الضمانات التي تحقق الاتصال المباشر مع الجمهور ، و شكلا نابعا من بيئته يمكن من توريط المتلقي في العمل المسرحي ، و بالتالي من تحقيق التفاعل الفوري معها .

 1- مسرحية " حفلة سمر من أجل 5 حزيران " :

      حاول ونوس من خلال هذه المسرحية استهداف شريحة من البلاد العربية ، ذات تكوين اجتماعي و ثقافي محدد (الفلاحون) ، كما استهدف صورة المثقف الذي حاول أن يطرح هزيمة يونيو 1967 ، عبر قراءة و ثقافة مسلوخة عن الواقع المعيش ..

     تجري وقائع هذه المسرحية /الحفلة في زمان و مكان القضيّة ، وفق حركة فنية تتوالى في ثلاث و عشرين حكاية /مشروع حكاية . و تبدأ من فشل " المخرج " الذي كان مفترضا أن يقدم مسرحية ، إلا أن " المؤلف" غائب و "النص" غير جاهز أو غير مكتمل ، لتتعدد الرؤى بعد ذلك ، و تتوالى مشروعات الحكايات التي تقدم من قبل أشخاص مختلفين ، لكل منهم حكايته التي يعتبرها أكثر صلة بقضيته . إلا أن هذه المشروعات ، لا يكتمل أي منها حتى تتم معارضتها و إسقاطها من قبل حكاية موالية .و هذا التعارض المستمر بين الحكايات المتوالية ، يولّد آلية النقد و النقض التي تكشف عن سقوط سلطة الخشبة ، مادامت كل حكاية مرآة لانحسار و انكسار سابقتها .. .

    و يتجسد سقوط سلطة الخشبة في اجتياح الجمهور للمنصة ، ليكشف عن زيف و تهافت حكايات " المخرج"/ السلطة ، و يفرض حكايته / كلامه المعارض لكل حكايات خشبة الكذب ، هي الحكاية الغائبة ، المبحوث عنها ، و التي يتوجب على المتفرجين أن يدفعوا ثمن الحقيقة التي كشفوها فيها هــــــــي الحكاية الرابعة و العشرون ، حكاية الحكواتي سعد الله ونوس .

      و الجدير بذكره في هذه المسرحية ، كما في أغلب مسرحيات ونوس ، هو الإلحاح على البـعـــــد السياسي للمسرح ، أي تسييس المسرح ، و الكشف عن التناظر بين سلطة الخشبة و السلــــــــــــــطة السياسية ، و التناظر بين جمهور الصالة و الشعب ،.. و كذا التحرك المستمر في اتجاه كسر سلطوية الخشبة ، ونقل الكلام الفاعل و سلطة المعنى إلى الصالة . هذا ما يبيّن أن ونوس لا يكتب مــســــــرح التسييس و حسب ، بل يقوم كذلك بتسييس المسرح .

     إلاّ أن أغلب الأعمال المسرحية التي حاولت الاستفادة من "حفلة سمر ..." أو تقليدها ، ركّزت على شكلها و تجاهلت مضمونها .و تحوّلت تاليا إلى تهريج . فشكل المسرحية هنا نابع من مضمونها،  و العمل الذي لا يأخذ المسرحية بكليتها ، يتحول إلى تهريج ، و بالتالي إلى عكس ما أريد منها.. .

2 – مسرحية " مغامرة رأس المملوك جابر":

     بعد سوء الفهم ، أو التعاطي المشوّه لمسرحية "حفلة سمر من أجل 5حزيران" ، حاول ونوس أن يتعمّق في مسرح التسييس لتوضيح التجربة أكثر ، و ذلك من خلال مسرحية " مغامرة رأس المملوك جابر " . فقد اعتمد صيغة "الحكواتي – المرآة " كشكل مسرحي في مقهى شعبي ، فسحته تنقسم إلى مساحتين : المساحة الأولى (مكان المرجعي) ، يمثل شخوصها رواد المقهى ، و تُستغَلّ في ضوء قضايا الزمن الحاضر . و ما يميز هذه المساحة هو قابليتها للامتداد نحو الجمهور ، و استدراجه للمشاركة في النقاش ، لأن الشخصيات فيها بمثابة نماذج/ عينات ، و ليست ذات ملامح خاصة .. . أما المساحة الثانية فهي موقع الحكاية /المتخيل . رواد المقهى يحضرون التماسا لحلم يرجع بهم إلى زمن الانتصارات ، فهم يشترون حلما يضمدون به جراح الهزائم . و صانع الأحلام في بنية المسرحية هو "الحكواتي" الذي يتوسط المساحتين و يقيم بينهما علاقة المرآة . فهذه الأخيرة تعمل على استدراج المشاهد إلى محاكمة الحدث دون الاندماج في شخصية البطل ، و تؤدي إلى الربط التاريخي بين الأحداث ، و بالتالي إلى استنباط القوانين التاريخية .و سعد الله ونوس حاول ان يجعل من "الحكواتي " في بناء المسرحية ، تلك المسافة التي تعرقل هذا الاندماج ، و كل من اخترق هذه المسافة – أي صفحة المرآة - ، يجد عقابه داخلها ، لأنه اندمج بشخصية " البطل " الذي يطارد حلما – وهما – بالوصول إلى المال والسلطة بمنطق الخرافة و الصدفة و " القدر" .. . ف"البطل" يتحرك بعقلية معاكسة لمنطق التاريخ ، خاصة وأن الحكواتي لا يسمح بالنهايات الغامضة ، و يمضي بالحلم إلى نهايته . فالحكواتي الذي يقسم الفسحة إلى موقع للعبرة و موقع للاعتبار ، هو البطل الحقيقي في المسرحية ، هو المرآة الواعية بمنطق التاريخ ، و التي عبرها نرى الخفي ، و نقرأ اللغز و الكتابة المقلوبة ... و كل من يمتنع عن الرؤية في المرآة ، فهو يرفض الدخول في الزمن و يرفض قراءة التاريخ.. .

     إذن ، فاعتماد صيغة "الحكواتي / المرآة" في مسرحية  "مغامرة رأس المملوك جابر" ، هدفه هو توريط المتفرج في الحدث ، خاصة ذاك البرجوازي الصغير الذي يطارد حلما بالتسلق و حكّ جنباته على عتبة السلطة ، إلى أن يجد نفسه داخل كابوس لم يكن في حسبانه "الذكيّ" .

3 – مسرحية " الفيل يا ملك الزمان ":

    ربما كانت هذه المسرحية إيضاحا أكثر لتجربة التسييس ، و يبدو ذلك في نسيجها القصير و البسيط و المعروف سلفا عند عامة الناس .( كلنا على دراية بحكاية : الفيل آسيدي ...  مالو؟؟؟ خاصّو فيلة...)

   سكان البلدة يعانون من الكوارث التي يسببها لهم فيل الملك و هو يتحرك على هواه ، و يدهس كل ما هو في طريقه .. يتدمر الناس و يلجؤون إلى من يساعدهم على الاحتجاج . هو مدرس شاب في البلدة ، يستغل معاناتهم ليمارس القيادة ، لكن بشكل ديماغوجي و شعاراتي ، حيث سيقوم بتدريبهم بصورة مرتجلة ، على أن يردد عبارة " الفيل يا ملك الزمان " ، ثم تشرح المجموعة الأضرار التي ألحقها بها الفيل .. . و بعد إنهاء التدريب ، يقوم الناس بطلب مقابلة الملك . إلا أن المجموعة التي حضرت لتطلب إنصافها ، و هي تعبر أروقة القصر أمام وجوه الحراس ، يستبدّ بها الخوف و الدهشة ، تتفكك و تفقد القدرة على الكلام  أمام هيبة الملك و سلطته ، و تعود إلى موقع الاستماع ، بعدما تدربت على الانتقال إلى موقع الكلام و الاحتجاج . فلمّا نطق المدرب بالعبارة الأولى ، تعقّد لسان المجموعة و لم تهمس ببنت شفة . هكذا ، و أمام صمت الناس ، يُخذل المدرس و يتحول إلى انتهازي يلتمس رضا و عفو الملك ، و يطلب تزويج الفيل بفيلة كي تتناسل الفيلة . و بذلك يكون قد انحاز إلى السلطة الحاكمة لحظة سقوط كلام الناس الذين لم يستطيعوا أن يتبنوا ، و بجرأة ، مشروعهم بأنفسهم ، لأن تدريبهم كان سلبيا ، تمّ خارج شرطهم الموضوعي و وفق منطق طوباوي بعيد عن تغيير العلاقات و المواقع.. .

4 – مسرحية " الملك هو الملك ":

     ألف سعد الله ونوس هذه المسرحية سنة  1978 ، و هي استلهام من إحدى حكايات " ألف ليلة و ليلة " ، و تعتبر من "أحسن ما قدم لتطويع تراث ألف ليلة و ليلة و انتشاله من جمود الماضي إلى حيوية الحاضر و سرعة اندفاقه ، ثم توظيفه من بعد لخدمة رسالة سياسية "(16) .

     مسرحية " الملك هو الملك " – كما يظهر من خلال اللافتة الأولى للعرض المسرحي – هي "لعبة تشخيصية لتحليل بنية السلطة في أنظمة التنكر و الملكية " . و اللعبة مسرحيا تعني تشخيص الأدوار و ليس تقمصها ، كما أنها ليست محاكاة للواقع ، و إنما تمثيل يساعد على فهم ما يجري في الواقع ..  أما المقصود بأنظمة التنكر و الملكية فهو المجتمعات الطبقية .. أما الصيغة التسييسية التي اعتمدها ونوس في هذه المسرحية فهي " لعبة التنكر " ، اعتمدها كشكل استعاري مركب له جانبه الرمزي العام و جانبه الواقعي المرتبط بالبناء العام لأحداث الحكاية . و عملية " التنكر" ليست جديدة على الظاهرة المسرحية ، فقد تم اعتمادها في مسارح القرنين السابع عشر و الثامن عشر . و جلّ الأعمال الكوميدية خلال تلك المرحلة ، استخدمت لتكريس الوضع الطبقي القائم ، لأن المسرح كان أسير الطبقة الحاكمة التي تدعمه ، حيث تظهر هذه الأعمال بأن السيد يظل سيدا و هو متنكر في ثياب العبد ، و العكس.. . أما في مسرحية "الملك هو الملك " ، فسعد الله ونوس يستخدم موضوع "التنكر" بمعنى مناقض تماما ، لا يرمي إلى " تبرير الوضع الطبقي القائم ، و تأكيد مشروعيته ، و إنما كانحراف تاريخي شرس و دام ، فالمجتمعات الطبقية ما هي إلا سلسلة معقدة من عمليات التنكر ، تصل في  ذروتها إلى التجريد المحض . هذا التجريد هو الملك / الحاكم "(17) .

     و جوهر عملية "التنكر" في المسرحية هو معارضة التفسير الأخلاقي للتاريخ بمنظور مادي جدلي يفضح الأنظمة الطبقية القائمة . فهناك سيل من الأعمال المسرحية السياسية التي حاولت فضح الأنظمة ، لكن في حدود نقد الأجهزة ( فساد المسؤولين الكبار و حاشية الملك ... ) ، دون الوصول إلى الجوهري ، أي فضح النظام الطبقي بشموليته .. . كما أن هناك مسرحيات تحاول تفسير تدهور الأوضاع أو سيادة الأنظمة الفاشية بمنظور مثالي ، مرد ذلك إلى التركيب السيكولوجي للحاكم (هتلر ، موسوليني ، فرانكو ، صدام ، القذافي ، ...إلخ ).

     إن أي تفسير لتطور الأحداث و لا يصل إلى المستوى الايديولوجي العلمي – سواء كان مثاليا أو ماديا ميكانيكيا ، و رغم ما يمكن أن يكون فيه من " حسن نية " و صدق – ما هو إلا تبرير للأوضاع الطبقية القائمة ، و ترسيخ لثقافة الطبقات الرجعية السائدة ، ف"لا يمكن في الأنظمة الطبقية ، إدانة الحاشية و تبرئة الملك ، و كما أن تغيير بعض أفراد الحاشية لا يحل مشكلة الواقع السياسي ، فإن استبدال الملك بملك آخر هو أيضا لا يغير شيئا في الواقع ، مادام النظام ذاته باقيا"(18).

رابعا – جماعية العمل المسرحي :

       إن الدور الذي ينبغي على المسرح أن يضطلع به ، في مسار الثورة و التغيير ، ليس بالأمر الهيّن أو الهامشي ، كما يعتقد البعض ، فدوره مسألة صعبة و مركّبة ، إنه بمثابة أحد الأجهزة ضمن الجهاز الثوري ككل . و النضال من أجل التحرر ، يستلزم ، كما عبر عن ذلك ماوتسي تونغ ، بالإضافة إلى الجبهة السياسية و العسكرية ، جبهة ثقافية –جبهة القلم-(19). و إذا كان منطلق مسرح سعد الله ونوس ، هو الأرض الحقيقية للجمهور ، فلابد من التساؤل : من يستطيع أن يباشر عملا مسرحيا ، أو حركة مسرحية بمنطلقات التسييس المليئة خصوبة و صعوبة في الوقت ذاته ؟

     إن فردا واحدا ، مهما بلغت درجة عبقريته و مواهبه ، لن يقدر على ذلك طبعا ، فالعمل المسرحي يتطلب تظافر جهود أفراد ضمن جماعة.. . لكن ، ليس من خلال مراكمة و لملمة مجهودات لأفراد منعزلين ، كل واحد على حدة (كاتب يؤلف نصا ، ينتقيه مخرج يجمع ممثلين لحفظ الأدوار و التدرب عليها ، موسيقي يختار ألحانا ، رسام يعدّ الديكور ...إلخ) ، فهذا هو المفهوم السائد عن العمل الجماعي في المسرح ، و الذي ترسخ في الأذهان لمدة ليست بالقصيرة . لكن مفهوم مسرح التسييس للعمل الجماعي يقصد به تفاعل مجموعة أفراد ضمن فريق عمل ، يفترض فيه حدّ من التجانس الفكري ، و التصور الواضح و الإخلاص للعمل... هذا التفاعل الذي تظهر فيه " خصوبة الجماعة ، و غنى الحوار المستمر ، و البحث الجاد الدؤوب . إننا بصدد تفاعل مجموعة من الطاقات في سياق عملية خلق مشترك ، و متدرج ، له تماسك و غنى و هوية الجماعة "(20). هذه الأخيرة التي ينبغي عليها أن تدرك أنّ عملها لا يتجمد في قوالب ، و لا ينتظر الأفكار الجاهزة ، بل هو حوار يظلّ مستمرا في اتجاهين متلازمين ، و بشكل جدلي ، و هما " حوار داخل المجموعة ذاتها ، يوضح الأفكار و يعمقها ، يصمم العمل و يبنيه . و حوار آخر بين المجموعة و الجمهور "(21). لهذا ، على فريق العمل أن يحقق حدّا من الانسجام الايديولوجي ، كي يدرك أهمية و خصوبة و حيوية الحوارين .

     و لبلوغ ذلك ، لا ينبغي على الجماعة أن تكون ممارسة ودارسة للمسرح و حسب ، بل و كذلك أن تقوم بالدراسة و التحليل للواقع الملموس لجمهورها ، و أن تعي جيدا دور المسرح الذي تمارسه ، و الذي ينتظره مسار طويل الأمد ، مليء بالصعوبات و التعقيدات ، و محفوف بالمخاطر . عليها أن تظل دائمة اليقظة ، فمسرحها هو مسرح للإقلاق و ليس للترويح عن النفس بالبهرجة ، مسرح يدفع باتجاه التغيير ضمن سيرورة الصراع الطبقي الدائر حوله ، يتفاعل و باستمرار معه.. . على فريق العمل المسرحي أن يتسلح بالفكر المستوعب لكافة مستويات الصراع الطبقي ، ف"دراسة الماركسية  واجبة على كل الثوريين بدون استثناء ، و لا يجوز للمشتغلين بالأدب و الفن أن يستثنوا أنفسهم في ذلك"(22).

     و أخيرا، لكي لا ينحرف المسرح عن دوره و يؤدي إلى عكس ما يريد قوله و يساهم كعامل إضافي في التضليل ، على المشتغل و المهتم بالمسرح الثوري أن يدرك جيدا دوره السياسي و الايديولوجي ، في ظل نظام رجعي فاشي ، و أن يعي بأن المسرح ، الذي يقدمه لجمهوره ، مغيّر عظيم ، يقدم له العالم لا ليقبله ، بل ليغيره و يسيره.

 

  من مسرحية "الملك هو الملك"

 

- قولوا...كانت لعبة . و الملك هو الملك .أنا هو ، هو أنا..

- لعبة ؟؟.. ربما كانت لعبة ..

- اللعب ممنوع ..

و الوهم ممنوع ..

و الخيال ممنوع ..

و الحلم ممنوع..

من حوار زاهد و عبيد ( قائدا مجريات الحكاية و الفاعلان الثوريان فيها ) :

- زاهد : و حتى لو تغير الملك فإن الطريق الوحيدة الممكنة أمام الملك هي الإرهاب و المزيد من الإرهاب .

- عبيد : ينبغي أن نتواقت مع اللحظة . لا نبكر و لا نتأخر .

- زاهد : ألم تقترب هذه اللحظة ؟

-عبيد : إنها ليست بعيدة على كل حال .

-جوقة الممثلين : تروي كتب التاريخ عن جماعة ضاق سوادها بالظلم و الجور و الشقاء . فاشتعل غضبها ، و ذبحت ملكها ، ثم أكلته .في البداية شعروا بالمغص ، و بعضهم تقيأ ، لكن بعد فترة صحّت أجسامهم .تساوى الناس و راقت الحياة ، ثم لم يبق تنكر و لا متنكرون .

اسماعيل رموزي ، ماي 2010

هوامش:

1-ونوس ، أزمة المسرح القومي ، ملحق(1) ، بيانات ، ص 53.

2-ونوس ، بيانات لمسرح عربي جديد ، ص 22

  3-ماوتسي تونغ ، ندوة حول الأدب و الفن في بيانآن .

4-ونوس ، بيانات...(نفسه) ، ص 25

5-إروين بيسكاتور ، المسرح السياسي ، عن سعيد الناجي ، التجريب في المسرح ص 32

6-ونوس ، حوار حول تجربتي و المسرح العربي ، مجلة الطريق ، عدد 2 ، 1986.

7-خوسيه مارتي ، شاعر كوبي .

8-برتولد بريخت ، كتابات حول المسرح ، 1972.

9-ونوس ، الحوار..( نفسه) ..

10-من بين هذه الاصطلاحات : المسرح البروليتاري ، المسرح التعليمي ، المسرح الملحمي ، المسرح الجدلي ... و قد أورد الدكتور حسن المنيعي في كتابه "المسرح و الارتجال" مصطلحات أخرى لتجارب مسرحية أمريكية : مسرح المضطهدين ، مسرح الخبز و الدمى ..

11-إروين بيسكاتور ، ..(نفسه) ص 33

12-ونوس ، الحوار .. (نفسه) ..

13-ونوس ، الحوار.. (نفسه)..

14-ماوتسي تونغ ، ..(نفسه)

15-انظر بهذا الصدد المسرحيات "حفلة سمر.." ، "الفيل ياملك الزمان" ، "مغامرة رأس..." ، "الملك هو الملك"  و القراءة التحليلية  للدكتورة خالدة سعيد لبعض اعمال سعد الله ونوس في كتابها القيم :الاستعارة الكبرى في شعرية المسرحة ، دار الآداب –بيروت ،2008

16-د.علي الراعي ، مسرحية "الملك هو الملك" ، تقويم ص 123

17-ونوس ، مسرحية "الملك هو الملك" ، إيضاحات..

18-ونوس ، ..(نفسه)

19-ماو تسي تونغ ، (نفسه)

20-ونوس ، بيانات .. ص 36.

21-ونوس ، بيانات ، ص 37.

22-ماو تسي تونغ ، ..(نفسه) .

 

 




هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



الاكتتاب الأولي لفيسبوك يحدد قيمتها بين 85 و95 مليار دولار

بيان حقيقة من مدير م/م تارماست

جمعية الأطلس المتوسط لبائعي السمك بالجملة والتقسيط بني ملال تؤسس مكتبها

زراعة الكيف تجارة مربحة وجب تقنينها ؟

اجتماعات مجموعتي عمل الحماية والنهوض للجنة الجهوية لحقوق الانسان ببني ملال

محمد بنسعيد أيت إيدر في ضيافة جميعة "تنمية بلا حدود" ببني ملال

مدينة خنيفرة النسخة الثانية من مهرجانها الوطني الثاني للقصة القصيرة تحت شعار " الميتا قصة في القصة

فدرالية الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة بني ملال

رويشة أو عاصفة الحب في زمن الرصاص

وكالة التنمية الاجتماعية قدمت 30 مليون درهم لدعم مشاريع وبرامح التنمية الاجتماعية في جهة تادلا ازي

بورتريه وتعليق: الفنان تــــــــوفيق المــــداري عاشق المسرح

سعد الله ونوس و مسرح التسييس