أضيف في 28 يناير 2019 الساعة 47 : 22


فنزويلا ليست ليبيا ولا العراق والتدخل الأمريكي فيها محكوم بالفشل


عبد الباري عطوان

بعد أن دمرت الولايات المتحدة الأمريكيّة معظم دول الشرق الأوسط، ابتداء من العراق ومرورا بسورية وليبيا وانتهاء باليمن، ها هي تريد تكرار سيناريو التدمير، وفرض الحِصارات نفسها في أمريكا الجنوبية، ابتداء من فنزويلا التي فرضت عليها حصارا تجويعيا خانقا انتقاما من سياساتها الاشتراكيّة الداعمة لقضايا الحق في العالم، ومحاولة لإرهاب الآخرين في المنطقة الذين يفكرون في تبني نهجها الاستقلالي، ومعارضة الهيمنة الأمريكية.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي ادعى كذبا معارضته للتدخل العسكري في العراق، ولأسباب انتخابية صرفة، ها هو يحاول السير على نهج جورج بوش الابن، وغزو فنزويلا، وتغيير نظام الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو، خليفة هوغو شافيز، الذي تحدى أمريكا وهيمنتها، وانحاز للفقراء في جميع أنحاء العالم، خاصّةً في أمريكا وبريطانيا، عندما أرسل إليهم النفط مجانا، ودعم الشعبين الفِلسطيني والإيراني، علاوة على السوري، في مواجهة الحصارين الأمريكي والإسرائيلي، وأدان المؤامرة في سورية وقبلها في العراق.

نعم، اقتصاد فنزويلا في حالة من الانهيار، والناتج القومي انخفض إلى النصف العام الماضي، ونسبة التضخم وصلت إلى حوالي مليون في المئة، ولكن هذا الانهِيار لم يأت بسبب سوء الإدارة مثلَما يروج "الخبراء" الذين يقفون في خندق أمريكا، وإنما لسبب الحصار الخانق والمحكم.

علمتنا تجارب العراق وليبيا واليمن وقطاع غزٍة أنه عندما تضع الحكومات الأمريكيّة خططا لتغيير الأنظمة التي تعارض هيمنتها، وترفض سيطرتها على أسعار النفط، وتقاوم الغطرسة الإسرائيلية، تلجأ إلى الحصار الاقتصادي، لإضعاف الأنظمة الوطنيّة المستهدفة وتضَع الزُعمَاء، والمجموعة المحيطة بهم، على قوائم الإرهاب، لإرهابها، وزعزعة استقرارها الداخلي، تحريضا لشعوبها على الثورة والتمرد، وبما يبرر التدخل العسكري ويسهل مهماته.

فنزويلا ليست ليبيا أو العراق، لأن الظروف تغيرت، وأمريكا لم تعد صاحبة الكلمة العليا في العالم، القادرة على استصدار قرارات من الأُمم المتحدة ومجلس أمنها لتبرير جرائمها، وتوفير الغطاء الأُممي لها، وما حدث في مجلس الأمن بالأمس من سقوط مهين لمشروع القرار الأمريكي بالاعتراف بالرئيس الانتقالي الجديد خوان غويدو إلا التّأكيد الأوضح لما نقول.

اليوم هناك الثنائي الروسي الصيني المدعوم من قِوىً إقليميّة عظمى مثل إيران وتركيا والمكسيك والهند وجنوب أفريقيا، والقادر على النّزول إلى ميدان التحدي بكل قوة وصلابة، في وجه مشاريع الهيمنة الأمريكية.

أمريكا ستجِد صعوبة كبيرة لتنفيذ مخططها في تغيير النظام في فنزويلا، وفرض رجلها غويدو رئيسا، لأن المؤسسة العسكرية الفنزويلية تدعم الرئيس مادورو وتعتبره الرئيس الشرعي، وترفض الانقلاب الأمريكي، وكذلك هو حال المحكمة الدستورية العليا.

أن يقوم غويدو بزيارة سرية إلى الولايات المتحدة، ويعرج على حلفائها، أو بالأَحرى عملائها، في البرازيل وكندا وكولومبيا والأرجنتين، ويعود ليعلن نفسه رئيسا، وتبادر إدارة ترامب بالاعتراف به خلال دقائق فهذا نوع جديد من "الانقلابات" غير مسبوق، ألم يُطالِب الرئيس ترامب وزير دفاعه جيمس ماتيس ومستشاره للأمن القوميّ السابق إتش آر ماكماستر بوضع خطة لغزو فنزويلا واغتيال الرئيس بشار الأسد.

من هو الاتحاد الأوروبي حتى يُوجّه إنذارًا إلى الرئيس مادورو بضرورة إجراء انتِخابات حرة ونزيهة في غضون ثمانية أيام وإلا سيتم سحب الاعتِراف بِه كرئيسٍ ومنحه لخصمه زعيم المعارضة، هل الاتحاد الأُوروبي يملك شرعية دولية في هذا المضمار، وهل أصبح بديلا عن الأُمم المتحدة؟ وهل ما زِلنا نعيش في القرن التاسع عشر زمن الاستعمار الأُوروبي؟

نعم.. هناك مليون نازح فنزويلي هاجروا إلى دول الجِوار بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة في بلادهم، ألا يذكرنا هؤلاء بعشرة ملايين لاجِئ ونازح سوري، وثلاثة ملايين ليبي، ومجاعات وأوبئة تَحصد أرواح الشعب اليمني، وقبلها مليونا لاجئ عراقي إلى سورية والأُردن، ولا يمكن أن ننسى اللاجئين الفِلسطينيّين، ألم يهاجِر هؤلاء نتيجة للتدخلات والحصارات والحروب الأمريكية الإسرائيلية التي تدعمها ودول الاتحاد الأوروبي؟

نَقف في خندق مادورو في مواجهة هذه المؤامرة الأمريكيّة دون أي تردد، ليس لأنّه رئيس منتَخب حصل على 67 بالمِئة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية الأخيرة (ماي الماضي)، وإنما أيضا لأنه رفض الهيمنة الأمريكية، وانحاز إلى الفقراء، وطالب بأسعار عادلة للنفط، ولا يملك قصورا أو طائرات فارِهة، ويعيش حياة بسيطة، ويرتدي الملابس التي يرتديها شعبه، ولم يغَير قميصه الأحمر، مثل معلمه شافيز، وفَوق كل هذا وذاك وقَف دائما في خندق القضايا العادلة وعلى رأسها قضية العرب الأُولى، ورفض الحروب والحصارات الأمريكيّة في المِنطَقة.

المشروع الأمريكيّ انهزم في سورية والعِراق وفي إيران، وقمة ترامب في وارسو انهارت قبل أن تبدأ، والحصار النفطي على إيران يتآكَل، وصفقة القرن ماتت وتحلّلت، وإسرائيل تعيش قلقا وجوديّا بسبب صواريخ المقاومة، ولهذا نحن على ثقة بأن أي تدخل عسكري أمريكي في فنزويلا سيفشل ويعطي نتائج كارثية سترتد دمارا على أصحابِه، فهذه الغطرسة الأمريكية يجِب أن يتم وضع حد لها وفي أسرع وقت ممكن، وإلا فإن عالمنا سيتجِه نحو فوضى دموية.. وربما تكون الأزمة الفنزويلية الحالية هي البِداية.. والأيام بيننا.

 






هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



الانقــلاب على مرســي واليســار المغربــي

نتائج التعيينات...جرح قلب وكسر خاطر

عرض لأبرزعناوين الصحف والجرائد الصادرة اليوم

فنزويلا : القبض على 100 من رجال الاعمال البورجوازيين

بعد انخفاض النفط.. الجزائر تسير على حبل مشدود في معالجة الاقتصاد

شركة اسرائيلية للملاحة بالمغرب تثير احتجاجات ونداء للتظاهر أمام مقرها !

أسعار النفط تتراجع بعد فشل اجتماع الدوحة

مجلس الأمن يمدد عمل بعثة المينورسو بالصحراء

تباين ردود الفعل حول إقالة روسيف

هبوط أسعار النفط بسبب ارتفاع الدولار ووفرة المعروض العالمي

فنزويلا ليست ليبيا ولا العراق والتدخل الأمريكي فيها محكوم بالفشل