أضيف في 06 نونبر 2018 الساعة 21 : 16


الإبتكار والإبداع في فلسفة جيل دولوز، بقلم:عبدالحق إيسفولة


مقال للمهتمين بالفلسفة المعاصرة.


إن من يتأمل تاريخ الأفكار الفلسفية سيندهش من كثرة التعاريف التي قدمت للفلسفة، وهذا راجع بالأساس إلى اختلاف الرؤى التي لا تستقر على حال واحد، وإذا تتبعنا السيرورة التاريخية للفكر الفلسفي سنرى مدى حماسة الفلاسفة للإجابة على مثل هذه الأسئلة.

   لربما يكون هذا السؤال قد طرح مرات عديدة، ولاسيما أن عامة الناس لديها هذا الفضول وتريد أن تعرف ماهو هذا الشيء الذي يسمى فلسفة؟ لذلك كانت أفضل طريقة عند "سقراط"1، للإجابة على مثل هذه الأسئلة هي أن ننتقد بشدة الأوضاع ونحاول جاهدين لكي نجعل من الفلسفة وسيلة للعيش، وهذا ما دفع سقراط إلى قبول الموت في سبيل الفلسفة، فليس فيلسوفا في نظره إلا من كان له الاستعداد للموت من أجل أفكاره. لقد دفع سقراط ثمن طرح السؤال من أجل إبلاغ رسالة مفادها، أن الفيلسوف لا يكترث لمظهره وجماله2 وما يثبث ذلك أن سقراط كان قبيح المنظر كما وصفه نيتشه في كتابه "أفول الأصنام"، بتعبير أخر إن الفيلسوف لا يقدس الملذات والشهوات. فقد كان سقراط يقول لمحاوريه لا تهتموا بشهواتكم بل اهتموا بأرواحكم، والفلسفة على حد تعبير سقراط هي وسيلة للعيش وفقط.


       لكن تعريف الفلسفة لم يستقر على حال واحد ولم يأخذ نفس الاتجاه، ولا سيما أن فلاسفة ما بعد الحداثة أعادوا النظر في الأسس والمرتكزات التي نحكم بواسطتها على فيلسوف ما ونعتبره كذلك، إلى حد أن فوكو رفض أن يكون فيلسوفا واعتبر نفسه باحثا يقوم بأبحاث اجتماعية وسياسية في الآن نفسه3. أما دولوز فيلسوف المستقبل كما ينعته بذلك فوكو وصلت جرأته في كتاب "ما الفلسفة"إلى حد أنه غير مجرى تاريخ الأفكار الفلسفية من خلال طرحه لأفكار جديدة قد لا تتناسب مع نظرة الاقدمين4 ففي إحدى الحوارات صرح دولوز قائلا: "لكي تقرأ نيتشه، أو فوكو لا تحتاج إلى عبقرية الفلاسفة لأننا في بعض الأحيان نكون بأمس الحاجة إلى القراءة اللافلسفية للفلسفة5 فما هو إذن التعريف الذي يقدمه دولوز للفلسفة؟
     الحق أن دولوز يعرف الفلسفة باعتبارها فن تكوين وصنع المفاهيم، والفيلسوف في مجال الفكر يجب أن يكون صديقا للمفهوم، وعليه فإن الفلسفة في أبهى تجلياتها الدولوزية هي الحقل المعرفي القائم على إبداع المفاهيم، فالرؤية الدولوزية تشدد على خلق وابتكار المفهوم. إلا أن المفاهيم على حد تعبير دولوز لا تكون في انتظارنا وهي جاهزة كما لو كانت أجساما سماوية، لأنه ليست هناك سماء للمفاهيم بل ينبغي أن نصنعها أو بالأحرى أن نبتكرها، ولن تكون أي شيء إذا كانت لا تحمل توقيع مبدعها.


        لا يجب حسب دولوز أن يكتفي الفلاسفة بقبول المفاهيم، وإنما عليهم الشروع في صنعها وإبداعها  وينبه دولوز إلى أخد الحيطة من المفاهيم إذا لم نكن نحن من أبدعها،فقد كان أفلاطون على حد تعبير دولوز يقول بضرورة التأمل في المثل،ولكن كان عليه أن يبدع مفهوم المثال ،لأن قيمة الفيلسوف لا تكمن إلا في إبداع المفاهيم.


        إن الفلسفة على حد تعبير دولوز ليست تأملا ولا تفكيرا،ليست لا هذا ولا ذاك.بتعبير أخر إن هذه النظرة الكلاسيكية التي سيطرت على أذهان الناس منذ زمان قد ماتت،فليس فيلسوفا إلا من كانت له القدرة على إبداع المفاهيم،ولا سيم أن تعريف الفلسفة ظل منغلقا منذ القدم في إطار العقلانية التي وضعت الفيلسوف في مقام عالي،وهذا ما نستشفه عند العقلانيين من أمثال سقراط،أفلاطون، ديكارت.ولكن القراءة الدولوزية للفلسفة تتجاوز هذه التعريفات الكلاسيكية  التي لو اقتصرنا عليها لماتت الفلسفة منذ زمان،6 والذي يؤكد ذلك أن هناك من الفلاسفة الذين بشروا بموت الفلسفة، وهذا ما أزعج دولوز لأنه من غير الممكن أن تموت الفلسفة مادام شغلها الشاغل هو  إبداع المفاهيم التي تصبح عديمة الفائدة عندما لا ترتبط بمشاكل وتبحث لها عن حلول،وعليه فإن الفلسفة ليست تفكيرا،لأنه لا أحد في حاجة الى الفلسفة لكي يفكر،ونحن بتعبير دولوز نعتقد بأننا نعطي الكثير للفلسفة حينما نجعل منها فنا للتفكير،ولكننا في الحقيقة نجردها من كل شيء.لأن الرياضيين كرياضيين لم ينتظروا مجيء الفلاسفة لكي يتفكروا في الرياضيات،كما لم ينتظر الفنانون مجيء الفلاسفة للنظر في الرسم والموسيقى، وهكذا يبدو دولوز مقتنعا بما يقوله دون أن يساوره أدنى شك في ذلك7، فيا ترى كيف يعرف دولوز المفهوم؟
   إن المفهوم حسب دولوز ليس احادي،إنه مركب، فلا يبدأ ديكارت، أو فيورباخ  بالمفهوم عينه، فليس لديهم مفهوم واحد للبداية، لأن كل مفهوم مزدوج، أو ثلاثي.إن كل مفهوم يحتوي على مركبات يمكن أن تؤخذ هي بدورها كمفاهيم، وهكذا تسير المفاهيم نحو اللامتناهي، وقد استقطب دولوز مثال الأنا عند ديكارت لكي يؤكد على أن المفهوم ليس احادي بل مركب، فالأنا عند ديكارت يحتوي على ثلاثة مركبات،شك،تفكير، وجود، والمفهوم حسب دولوز يجب أن نبحث عن تاريخه، أو بالأحرى أن نبحث عن الشخصيات المفهومية التي كانت وراء خلقه وابتكاره.


           صفوة القول إن كتاب ما الفلسفة؟ لجيل دولوز يدفعنا إلى التساؤل عن جدوى الفلسفة في واقعنا العربي،وهل حقا هناك فلاسفة عرب لديهم هذه القدرة على ابتكار وصنع المفاهيم،8 لأن الفلسفة على حد تعبير دولوز لن يفيدها في شيء أن شخصا ما يمتلك موقفا،بدلا من موقف آخر. إن الأمر لا يتعلق بتعزيز المواقف وتأييدها، بل يتعلق بإبداع المفاهيم،ونحن حسب دولوز نكون صورة خاطئة عن الفلسفة، ولاسيما أننا نجعل منها نقاشات دائمة لا تنتهي، ولا شك أن هناك فئة من المثقفين ينتقدون دون أن يبدعوا وهؤلاء على حد تعبير دولوز هم بمثابة الجرح النازف النازف في الفلسفة، فليس فيلسوفا إلا من كانت له القدرة على ابتكار المفاهيم ونحتها،ليس فيلسوفا إلا من كانت له القدرة على الخلق والابتكار9،وأظن أن هذا ما ينقص أساتذتنا في الجامعة،لأنهم حسب دولوز لا يفتقرون إلى التواصل، بل على العكس يمتلكون الكثير منه،ولكنهم يفتقرون إلى الإبداع وحتى الجامعة نفسها لم تعد تنتج فلاسفة وأدباء مادام الأستاذ يكرر نفس الدروس،وهذا ليس غريبا حينما أصبح الأستاذ إداريا يحضر الاجتماعات التي تمنعه من الاجتهاد والعمل لكي يقدم لطلابه الأفضل. إن الأمر لا يتعلق بالتقليد، لأن التقليد يكرس الجمود، بل الأمر يتعلق بالخلق والابتكار اللذان يساعدان على نمو الحياة وتطورها.10


لائحة المراجع والمصادر

  1. د.إبراهيم يوسف النجار،مدخل الى الفلسفة،صدر عن المركز القومي 
    للترجمة،ص45
  2. فريدريك نيتشه،أفول الأصنام.ترجمة حسان بورقية-محمد الناجي،صدر عن أفريقيا الشرق،ص17.
  3. محمد ازويتة، ميشيل فوكو وقضايا السجون،صدر عن افريقيا الشرق،ص7.
  4. جيل دولوز-فليكس غتاري،ما هي الفلسفة،ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع صفدعي،صدر عن فريق مركز الانماء القومي،ص21.
  5. جيل دولوز:القراءة اللافلسفية للفلسفة (لايحتاج المرء أن يكون فيلسوفا كي يقرأ الفلسفة)حوارأجراه دولوز وهو متوفر على اليوتيب. 
  6. جيل دولوز،فيليكس غتاري، ما هي الفلسفة، ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع صفدعي، صدر عن فريق مركز الانماء القومي، ص30.
  7. المرجع نفسه، ص31
  8. المرجع نفسه، صص39 47
  9. المرجع نفسه، ص 50
  10. جيل دولوز عن تسييس الجامعة وتحولها من مكان للبحث العلمي والمعرفي إلى التخصصات الإدارية، حوار أجراه دولوز وهو متوفر على اليوتيب.




هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



الإبتكار والإبداع في فلسفة جيل دولوز، بقلم:عبدالحق إيسفولة

الإبتكار والإبداع في فلسفة جيل دولوز، بقلم:عبدالحق إيسفولة