أضيف في 24 غشت 2018 الساعة 34 : 01


عبد الرحمان النوضة يكتب: نـقد السيد محمد سبيلا


دخل أستاذ الفلسفة، محمد سبيلا،  في حرب ضد كل ما هو «نضالي» أو «اشتراكي». وأخذ يُبشِّر باكتشافاته ”الفلسفية“ الجديدة. كأن محمد سبيلا وصل،  في آخر حياته، إلى خلاصات ”منيرة“، أو ”حكيمة“. وخلال أكثر من شهر، فتحت جريدة "المساء" لمحمد سبيلا رُكْنًا متواصلًا على صفحتها الأخيرة، تستجوبه عن فتوحاته ”الفلسفية“ الخارقة. 

ويزعم محمد سبيلا أن ”المناضل الاشتراكي“ لا يختلف عن ”الإرهابي الإسلامي“، من زاوية مناهج التَّـفكير، والقِيم، والأهداف، والأساليب.[أنظر مقال رحمان النوضة، "نقد أنصار الرأسمالية"،    (https://wordpress.com/read/blogs/19553947/posts/2431)]. 

ومعظم تصريحات محمد سبيلا تصبّ في نفس الاتجاه. حيث يقول: ”الاشتراكية هي أكبر كذبة“، و”الاشتراكية هي مجرد وهم“. و”المناضل الاشتراكي لا يختلف في جوهره عن الإرهابي الإسلامي“، إلى آخره. ومعظم المناضلين الاشتراكيين عبر العالم يعرفون جيدًا هذه الأطروحات القديمة. لأنها ظهرت منذ ظهور حلم التحرّر من الرأسمالية، أو الانتقال إلى الاشتراكية، خلال القرن الثامن عشر. 

أنا احترم السيد محمد سبيلا، وأعتبر أنه من حقّه أن يُدافع عن أفكاره وقناعاته. لكنني أختلف معه، وأعتبر أنه من حقّي أنا أيضًا أن أنتـقد أطروحاته.

يتكلّم محمد سبيلا كأنه يُحلّل تجربة ”حزب الاتحاد الاشتراكي“، أو كأنه ينتـقد أفكاره، وتصوراته، وسلوكياته. لكن عندما يتمعّن القارئ في أطروحات محمد سبيلا، يجد أنها أطروحات يمينية، وأنها تُدَعِّم وتُنَظِّر لمواقف وسلوكيات تيار السيد إدريس لَشْكَر اليميني، الذي يُسيطر على هذا الحزب. ومحمد سبيلا يتبرَّأ من سلوكيات تِيَّار ادريس لشكر، لكنه يلتقي معه في العمق، على مستوى الأفكار والمبادئ السياسية. لأن ادريس لشكر يُطَبِّق بالضّبط الأطروحات السياسية التي يُبرِّرها محمد سبيلا.

ويدافع صراحةً محمد سبيلا على منظور بورجوازي للعمل السياسي. ومعظم أعضاء ”حزب الاتحاد الاشتراكي“، وكذلك معظم أعضاء الأحزاب اليمينة، أو الرأسمالية، الموجودة  في العالم، يقولون نفس الشيء الذي اكْتَشَفَه محمد سبيلا في آخر حياته. وهو أن «السياسة هي فن النفاق والانتهازية». ومعظم مناضلي البلدان الناطقة بالعربية، يدركون أن مثل هذه القِيَم والتصوّرات الانتهازية، هي التي خرّبت أوطانهم.

ويدافع محمد سبيلا مرارًا عن «مرونة الفاعل السياسي الذي يمكن أن ينقلب 180 درجة، وأن يبرّر ذلك» (جريدة "المساء"، العدد 3670). وأضاف محمد سبيلا: «المَكْر، وسُوء النِّيَة، من الشروط البنيوية العضوية الأساسية للعمل السياسي. والذي لا يتوفّر على هذه الشروط، لا يمكنه أن يلج عالم الفعل السياسي» (نفس المصدر السابق). وزاد محمد سبيلا قائلا: «الكذب فضيلة سياسية، بل إنه ضرورة سياسية». وكُلُّنا نعرف أن محمد سبيلا لا ينفرد بهذه الأطروحات، وإنما مجمل السياسيين الفاسدين أو المستبدّين، سواءً في بلادنا أم في بلدان أخرى، يمارسون مثل هذه السّلوكيات.   

ونتساءل: لمن يكتب محمد سبيلا هذه الأفكار؟ ولمن يوجّه هذه النصائح؟ هل يوجّهها إلى الفاعلين السياسيين الذين يهيمنون على المغرب ويفترسونه؟ هؤلاء السياسيين المُفْتَرِسِين، لا يحتاجون إلى الاكتشافات النظرية لمحمد سبيلا. فَغَرَائِزُهم الحيوانية تَكْفِيهِم لكي يُطَبِّقًوا هذا التوجُّه. وهل يوجّه محمد سبيلا نصائحه إلى المناضلين الثوريين الذين يرفضون كل سياسة تُعاكس العدل أو الأخلاق؟ التَمَعُّن في أطروحات محمد سبيلا يُبَيِّن أن اجتهاده هو عمل يميني، بل "رجعي"، ويضرّ بالمجتمع، ولا يفيده. 

عندما أَصف أفكار محمد سبيلا بِكونها «رجعية»، هل أمارس السبّ أو القذف؟ كلَّا! ولماذا؟ لعدّة أسباب. محمد سبيل يقول «المَكْر، وسوء النّية، من الشروط البنيوية العضوية الأساسية للعمل السياسي... والكذب فضيلة سياسية، بل إنه ضرورة سياسية». ومحمد سبيلا لا ينتقد، وإنما يُنظِّر خِصْلَةَ النِّفَاق، ويُبرّرها، ويمجّدها. كيف ذلك؟ 

إذا فحصنا مختلف بلدان عالم اليوم، سنجد أنها نوعان: نوع من البلدان (مثل المغرب، والجزائر، ومصر، والعراق، والسعودية، والإمارات، إلى آخره)، تُمَارَسُ فيها ”السياسة“ فعلًا كَـ ”فن الكذب، والانتهازية، والنّفاق، والغش، والفساد“. ويوجد نوع ثان من بلدان العالم، تفرض فيها ”دولة الحق والقانون“ (ولو كانت نسبية) بأن يَـتَـقَيَّـد فيها كل الفاعلين السياسيين بالقوانين، وبالأخلاق. لهذا نجد مسؤولين كبار في هذه الدول، بما فيهم رؤساء دول، يُحاسبون في هذا النوع الثاني من البلدان، ويعاقبون على كل كذب، أو غشّ، أو فساد، ثَـبُـتَ ضدّهم. وكأمثلة على ذلك، نجد الرئيس "دُونَالْدْ تْرَامْب" في الولايات المتحدة الأمريكية مُتابع في قضايا تتعلق بالجنس، والغشّ في الانتخابات عبر تواطؤ مع جهات روسية، والتهرّب من بعض الضرائب. ونجد في فرنسا أن الرئيس الأسبق "جاك شيراك" تُوبِعَ وحوكم في عدّة قضايا، أبرزها قضية المَاس (diamants) عُمَر بَانْغُو. ونجد أن الرئيس "نِكُولًا ساركوزي" تُوبِعَ وحوكم في قضية تمويل جزء من حملاته الانتخابية بأموال غير شرعية. ونجد في كوريا الجنوبية أن البرلمان صوّت بالأغلبية المطلقة لصالح إقالة الرئيسة السابقة "بَارْكْ جُونْ هِي" [Park Geun-hye]، ثم وافقت المحكمة الدستورية على عزلها من منصب رئاسة الجمهورية، بعدما ثَبُتَ تورّطها في رَشَاوَى من شركة "سامسون". إلى آخره. ما معنى هذه الأحداث أو الأمثلة؟ معناها أن الدولة التي تكون ”دولة حق وقانون“ (ولو نسبيًّا)، لا يُسمح لأي فاعل سياسي فيها، ومَهْمَا عَلَى شأنه، بأن يخرق القانون، أو الأخلاق، أو أن يُمارس الكذب، أو الغشّ، أو الفساد! وأمام مثل هذا المشهد السياسي العالمي، نجد أن محمد سبيلا، بِتَنْظِيره للكذب والنفاق، يدفعنا إلى تقليد النوع الأول من البلدان المتخلّفة، بدلًا من أن يحثّنا على الاقتداء بالنوع الثاني المتقدّم من بلدان العالم. وعليه، فَدَعَوَات محمد سبيلا تكتسي طابعًا متخلِّفًا، أو "رجعيا".   

وعلى عكس ظنون محمد سبيلا، تبقى أفكاره متخلّفة حتى بالمقارنة مع أفكار ”مَاكْيَافِيلِّي“، لأن  هذا الأخير، في بعض فقرات كتابه ”الأمير“، يشير إلى أن كل سياسة لا ترمي إلى تحقيق العدل في المجتمع، يكون مآلها حتمًا، وفي آخر المطاف، هو الفشل والزوال. [وقد فصّلتُ في ذلك في كتابي بالفرنسية: (Le Politique)، ويمكن تحميله بالمجّان من مدوّنتي].

وأضاف محمد سبيلا: «من الصعب تحويل الإنسان إلى كائن عقلاني»، أو عادل. ولو كان محمد سبيلا يعطي هنا لكلمة «صعب» معنى أن محاولة "تحويل الإنسان إلى كائن عقلاني" أو عادل، هو عمل يتطلب جهدًا جَبَّارًا، ونضالات مجتمعية متواصلة، وطويلة الأمد، لَكُنْتُ قد اتـفـقتُ معه. لكن إذا اعتبرنا أطروحات محمد سبيلا الأخرى اليمينية، ندرك أن محمد سبيلا يعني أن تحويل الإنسان إلى كائن عقلاني أو عادل، هو محاولة "مستحيلة". وإذا كانت أطروحة محمد سبيلا السابقة صحيحة، ماذا يبقى لنا إذن في هذه الحالة؟ لا يبقى لنا، حسب ”فلسفة“ محمد سبيلا، سوى القبول بواقع المجتمع كما هو، والقبول بالرأسمالية المتوحشة، والقبول بالاستبداد والفساد، وأن نرضى بأن نكون كلّنا حيوانات تفترس بعضها بعضا، بدون شفقة، ولا أخلاق، ولا عدل، ولا مبادئ، ولا حقوق إنسان. وإلى متى؟ إلى أن تؤدّي أنانية البشر، وانتهازيتهم، وحماقاتهم، إلى فناء البشرية.   

ولكي نسير  في هذا التوجّه ”السًّبِيلَاوي“، لا نحتاج لِـ ”فلسفة“ محمد سبيلا، ولا إلى أية ثقافة، أو علم، أو تكوين. وإنما يكفي أن نطلق العِنَان لغرائزنا الحيوانية، وأبرزها الأنانية، والانتهازية، والنفاق، والغشّ، والغدر، والفساد، والاغتناء غير المشورع، وغير الأخلاقي. وهذا ما لا يقبله أي مواطن يتشبَّـثُ بالأخلاق، أو يطمح إلى العدل المُجتمعي. ومن منظورنا، لا يمكن أن يكون أي عمل سياسي محترمًا، أو نبيلًا، أو مقبولًا، إلَّا إذا كان مُلْتَزِمًا باحترام العدل والأخلاق. [أنظر كتاب رحمان النوضة: "L’Ethique politique"، ويمكن تحميله بالمجان من مدوّنته: (https://livreschauds.files.wordpress.com/2011/11/livre-lc3a9thique-politique-de-a-nouda-v11-3.pdf

 وكثير من المناضلين الحاليين بالمغرب (في سنة 2018)، لا يعرفون أنه من بين نقط الخلاف النظري والسياسي الذي كان موجودًا بين "الحركة الماركسية اللِّينِينِية" بالمغرب من جهة أولى، ومن جهة ثانية "الحركة الإتِّحَادية" (أي الحركة التابعة لحزب "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية"، ثم "حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية")، جوهر هذا الخلاف هو أن "الحركة الماركسية اللينينية" كانت تُصِرُّ على أن يلتزم كل فاعل سياسي باحترام الأخلاق (إذا كانت حميدة)، والقوانين (إذا كانت عادلة). بينما "الحركة الاتحادية" كانت تقبل الفصلَ بين السياسة والأخلاق. وكانت "الحركة الاتحادية" تزعم أن العمل السياسي يستوجب بالضرورة قدرًا محدّدًا من الكذب، أو التحايل، أو النِّفَاق، أو الغشّ، أو الانتهازية. بينما ترفض مبدئيًّا "الحركة الماركسية اللينينية" أي سلوك انتهازي في العمل السياسي. وقد خُضنا صراعات سياسية ونظرية، مريرة وحادّة، مع المناضلين "الاتحاديين". وكنا نقول لهم: كل عمل سياسي لا يلتزم بالأخلاق يتحول في آخر المطاف إلى جرائم. وكانت "الحركة الماركسية اللينينية" تقول "للإتحاديِّين": إن القبول بقدر قليل من الانتهازية في العمل السياسي يؤدي حَتْمًا إلى تلويث العمل السياسي كلّه بالغشّ، والنفاق، والخداع، والغدر، والاستبداد، والفساد، والاستلاب. وهو ما ليس في صالح الشعب.

وقد قال محمد سبيلا مِرارًا وتكرارا أن «الاشتراكية هي مجرّد وهم»! لنفرض أن كلامه صحيح. وفي هذه الحالة، ما هي نتيجة هذا التصريح؟ نتيجته المباشرة هي أن الحقيقة الوحيدة القائمة، الحتمية، والأزلية،  في العالم كلّه، هي الرأسمالية! بمعنى أن محمد سبيلا، المناضل السابق في "حزب الاتحاد الاشتراكي"، يقول لنا: "لا تحلموا بالوصول في مستقبل مجهول إلى الاشتراكية، إنها مستحيلة، وما عليكم سوى أن تخضعوا للرأسمالية، رغم كل ما فيها من استغلال، واستبداد، وفساد". هذا هو ”التبشير الفلسفي الجديد“ لمحمد سبيلا!  

وتَـتَّسِمُ هذه الأفكار، التي يُبشِّر بها أستاذ الفلسفة محمد سبيلا، بكونها محافظة، ويمينية، ومناصرة للرّأسمالية. ورغم أن محمد سبيلا اختلف مع قيادة ”حزب الاتحاد الاشتراكي“، ثم ابتعد عن هذا الحزب منذ سنوات، وذلك  في إطار صيرورة تَـفَكُّك وانحلال هذا الحزب، فإن الأفكار اليمينية التي يُبشِّر بها محمد سبيلا تنتمي عضويًا لظاهرة انحلال ”حزب الاتحاد الاشتراكي“، وتعبّر جيّدًا عن التِّيه الفكري، والانحراف القِيمي، اللذين أصابا هذا الحزب. 

 




هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



البكاء على الميت..

رجاء بني ملال- يوسفية برشيد:2- 0

ش. قصبة تادلة- ات. المحمدية: 0- 0

مسيرة احتجاجية لتنسيقية حركة 20 فبراير بزاوية الشيخ

جمعية الأطلس المتوسط لبائعي السمك بالجملة والتقسيط بني ملال تؤسس مكتبها

زراعة الكيف تجارة مربحة وجب تقنينها ؟

اجتماعات مجموعتي عمل الحماية والنهوض للجنة الجهوية لحقوق الانسان ببني ملال

جامعة السلطان مولاي سليمان- بني ملال وأنامل الإبداع

محمد بنسعيد أيت إيدر في ضيافة جميعة "تنمية بلا حدود" ببني ملال

إحتفالا باليوم العالمي لحرية الصحافة جمعية الأعالي للصحافة بأزيلال تدعو إلى مكتسبات جديدة في حرية ال

عبد الرحمان النوضة يكتب: نـقد السيد محمد سبيلا