أضيف في 21 غشت 2018 الساعة 57 : 23


خديجة والآخرون... حكاية اختطاف واحتجاز واغتصاب بمدينة أولاد عياد المنسية


- محمد لغريب-

اهتز الرأي العام المحلي والوطني بحر الأسبوع المنصرم، على وقع جريمة اغتصاب شنيعة تعرضت لها فتاة قاصر من طرف 14 شخصا بمدينة أولاد عياد بإقليم الفقيه بن صالح، جريمة الاغتصاب والاحتجاز هذه، أعادت من جديد طرح المسألة الأمنية بهذه المدينة المنسية التي أصبحت مرتعا لكل أنواع الجريمة، وهو ما يستدعي من السلطات المحلية التحرك العاجل لتطويقها والحد من انتشارها.

ملفات تادلة 24، أعادت نشر قصة الاختطاف والاحتجاز والتعذيب التي تعرضت لها بمكان خلاء، كما روتها لنا خديجة ووالدتها.

كاينة ظروف

في بهو منزلها المتواضع، استقبلتنا خديجة شاردة الذهن، وهي تعيد ترتيب شريط الأحداث دون أن تصدق ما جرى لها، تتضايق من كل غريب أو زائر للبيت يريد التحدث معها، أو مع والدتها فاطمة للاطمئنان على حالهما، خيم الحزن على العائلة منذ اختفاء خديجة، وبدأت الأسئلة تتزاحم في مخيلة الأم والأب والإخوة الصغار، وتواترت الروايات حول هذا الاختفاء المفاجئ الذي هز مدينة أولاد عياد، ترى هل رحلت إلى مكان بعيد مع شخص آخر؟ وأي مصير لقيته وهي خارج البيت الذي احتضنها ؟ كيف تعيش بعيدة عن دفء الأم وحنان الأب ؟ هل ماتت خديجة؟ وأي مكروه وقع لها بعد أزيد من شهر من الاختفاء ؟

غادرت خديجة ذو السبعة عشر ربيعا المدرسة – السابعة إعدادي- دون أن تكمل المسير رفقة زملائها، وهي غير راضية عن حالتها الاجتماعية الصعبة، فالفقر هنا سيد الموقف، ملامحه بادية على زوايا البيت وأثاثه. وكل التفاصيل الصغيرة توحي بأن الأسرة تعيش في فقر مدقع على طول السنة، فلم يتبق لخديجة وأسرتها أية فرصة أخرى سوى الاستسلام لضرباته الموجعة، والاكتفاء بما يجنيه الأب من عمله اليومي الذي يتوقف على أفراح وأعراس الآخرين، وفي مناسبات قليلة فقط، يشتغل كمنشط حفلات وعازف على ألة للنفخ.

تحاشت خديجة الغوص في سرد قصتها في البداية، فألححنا عليها بأن دعم الإعلام والحقوقيين لها في قضيتها سيكون له وقع كبير من أجل نيل كامل حقوقها، كانت تردد على مسامعنا عبارات تحمل في ثناياها الحزن والندم، وتختزل جرحا عميقا سيلازمها طول ما تبقى من حياتها  " أرفض أن أحكي هذه المعاناة" لا أريد البقاء في مدينة أولاد عياد" أقنعناها بعد جهد جهيد أن قصتها يجب أن يطلع عليها الناس حتى لا يتكرر مرة أخرى ما جرى لها.

اختطاف واحتجاز وتعذيب... وأشياء أخرى

في إحدى الصباحات تحكي خديجة بشح في الكلمات، وبصوت تعلو نبرته مسحة حزن وقلق أنها كانت عائدة من بيت خالها، فجأة، أوقفها أحد الشبان وهو راكب على متن دراجة نارية صينية الصنع يبدو - كما حكت لنا- أنه كان يترصدها عن بعد، أرغمها بعد تهديدها بالسلاح الأبيض على مرافقته إلى وجهة مجهولة، والتي لم تكن سوى إحدى حقول أشجار الزيتون، غير بعيد عن مدينة أولاد عياد، هناك ستقضي خديجة أزيد من شهر منقطعة عن العالم الخارجي ومسلوبة الإرادة، حيث عاشت كل أنواع المعاناة بسادية قل نظيرها. أما الأم فاطمة فلم تذق النوم منذ أن اختفت خديجة عن الأنظار، وعاشت كوابيس وهواجس طوال فترة الغياب يصعب وصفها.

وصفت خديجة في حديثها لنا، كيف جرى اغتصابها بشكل جماعي من طرف أربعة عشر شابا، بعد أن تم افتضاض بكارتها، وكيف جرى تعذيبها وضربها، وكيها بأعقاب السجائر، ووشم معظم جسدها بألة مخصصة لهذا الغرض، مشيرة إلى أنه بعد أن يقضي أحدهم منها وطره يسلمها للأخر مقابل بعض دريهمات أو لفافة حشيش أو قنينة "ماء الحياة"، دون الاكتراث لتوسلاتها، " لقد أصبحت بينهم ككرة تتقاذفها الأرجل دون رحمة "، تقول خديجة.

عانت طول فترة الاحتجاز من الجوع والأوساخ والنوم القليل، ومن التخدير والإرهاق الدائم، لكن من حسن حظها أنها لم تخرج من هذا المأزق بحمل قد يضاعف من معاناتها ومعاناة أسرتها التي تقاسي في صمت وفي ظل غياب الجمعيات الحقوقية المحلية والوطنية التي توارت عن الأنظار.

حاولت خديجة المتعبة، الفرار عدة مرات من قبضة مغتصبيها، غير أنها لم تفلح في ذلك، فكان التخدير وسيلة ناجعة للسيطرة عليها واخضاعها كليا، فيما عاشت الأم المكلومة على أمل الأخبار الزائفة التي تصلها بين الفينة والأخرى من الجيران والأقارب.

ظلت الأحوال على ماهي عليه طيلة أزيد من شهر من الاختفاء، حتى أصبحت قصة خديجة تلوكها ألسنة ساكنة مدينة أولاد عياد في المقاهي والمجالس وفي كل المناسبات، وغدت الفتيات أكثر حذرا من راكبي الدراجات الصينية الصنع، وصارت تحذيرات الأمهات لبناتهن مخافة السقوط في فخ هؤلاء الجانحين، أشبه بصفارات إنذار تدوي كل صباح مساء على مسامعهن بهذه المدينة المنسية.

لقد "عشنا رعبا حقيقيا " تقول الأم، وهي تذرف دموعا غزيرة، فيما تكتفي خديجة بالتخفيف من ألم والدتها، بالتظاهر بأن قضيتها بسيطة بالمقارنة مع ما مرت منه فتيات أخريات.

في يوم صيف حار وبعد أن " أصبحت عبئا ثقيلا على مغتصبي" تقول خديجة، تلقى والدي مكالمة من طرف أحد الشبان الجانحين، فاوضه على أن أعود للبيت مقابل أن يتنازل عن رفع دعوة، وأن يطمس الموضوع فيما يشبه أبطال أفلام هوليود المثيرة.

وأخيرا، عادت خديجة بجسم هزيل ومتعب للبيت، فقررت أن تطرق جدران الخزان، وأن تزيل غبار الخوف والصمت عن قضيتها، رافقتها ولدتها فاطمة صوب مركز الدرك الملكي بأولاد عياد، لوضع شكاية في الموضوع والاستماع لها، ومن هول الجريمة تحركت عناصر الدرك الملكي في 17 من غشت الجاري، على عجل لإيقاف الجناة، حيث تم إيقاف حتى الآن 09 منهم، تم عرضهم على قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بمدينة بني ملال، فيما حررت مذكرات بحث وطني في حق 05 أخرين في حالة فرار، وتم رصد متهم أخر في إحدى مدن شمال المغرب عن طريق تقنية GPS  يقول مصدر أمني.

 ووجهت للمتهمين عدة تهم من بينها تكوين عصابة إجرامية، والاختطاف والاحتجاز، وافتضاض بكارة والتغرير بقاصر تحت التهديد بالسلاح الأبيض والتخدير، والتعذيب بواسطة الكي، فضلا عن تشويه الجسم بواسطة الوشم بألة خاصة...

وشم على الجسد... ووشم في الذاكرة

من يستطع أن يفك طلاسم تلك الخطوط والرموز والحروف التي تركت على جسد خديجة النحيف؟ نجيمات وصليب معقوف وخطوط وعبارات غامضة بحجم هذه القضية التي تركت جرحا غائرا لدى الأم وصغارها، وهزت الرأي العام المحلي والوطني من هول التعذيب الذي تعرضت له هذه الفتاة القاصر.

هل إلى هذا الحد انحدرت أخلاق الإنسان، كي يعذب أخاه الإنسان بطرق أكثر وحشية، ويتلذذ بمعاناته وبسادية مفعمة بالحقد لا نراها إلى في أفلام هوليود، أو نقرأها في أشهر روايات الإثارة والتشويق والخيال العلمي، التي تترك فينا أثر الفزع والخوف بمجرد ما ننتهي من قراءة فصلها الأول؟ هل إلى هذا الحد غدت المرأة كائنا غريبا عن مجتمعنا، ومستباحا كي نذيقها كل التهميش والعذاب ونحولها إلى دمية صامتة نفعل ونرسم على جسدها ما نشاء ؟

بالنسبة لخديجة عقدتها الوحيد رؤيتها لجسمها بهذه الحالة، وشم على أطراف جسدها يعيدها إلى اللحظات التي كانت فيها أسيرة مسلوبة الإرادة، تنهشها مخالب مغتصبيها، وفي زحمة المعاناة والألم، يظل لدى خديجة وأمها بصيص أمل يلوح في الأفق، لعلها تجد أياد رحيمة تنقذها من هذه الوشوم المتناثرة في أنحاء جسمها.

صرخة الأم المكلومة

رغم هول الصدمة أصرت فاطمة والدة خديجة - وهي تحكي لنا بدموع منهمرة تختزل مأساة ابنتها- على ضرورة انقاذ ابنتها من هذه الكوابيس التي لا تطاق، " لقد أصبحت أخاف على أبنائي " تقول الأم فاطمة.

فاطمة، ناشدت كل ضمير حي، عبر منبر ملفات تادلة 24، من أجل التدخل لرفع الضرر النفسي والاجتماعي عن أسرتها، معبرة في نفس الوقت عن كامل ثقتها في القضاء الذي سينصف ابنتها.

 

 

 

 

 




هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



البكاء على الميت..

الانتهاء من تصنيع أحدث جهاز رصد للضوء في عمق الفضاء

جون ترافولتا يواجه تهمة جديدة بالتحرش الجنسي

اعتصام وإضراب عن الطعام أمام “المجلس الوطني لحقوق الإنسان”

إصابة أربع نساء بجروح متفاوتة الخطورة في تدخل أمني عنيف في مسيرة سلمية تطالب برحيل رئيس الجماعة بإ ي

بيان حقيقة من مدير م/م تارماست

اجتماعات مجموعتي عمل الحماية والنهوض للجنة الجهوية لحقوق الانسان ببني ملال

محمد بنسعيد أيت إيدر في ضيافة جميعة "تنمية بلا حدود" ببني ملال

إحتفالا باليوم العالمي لحرية الصحافة جمعية الأعالي للصحافة بأزيلال تدعو إلى مكتسبات جديدة في حرية ال

جماعة ناوور:العثور على 51 قنبلة يدوية قرب منطقة بنشرو

خديجة والآخرون... حكاية اختطاف واحتجاز واغتصاب بمدينة أولاد عياد المنسية