أضيف في 29 يونيو 2018 الساعة 19:13


سيارات ’’مشبوهة‘‘ تفرغ حمولة من المهاجرين ليلا بشوارع بني ملال



- خالد أبورقية -


’’أنا متعبة جدا، أنا مريضة جدا، لا أقدر على الكلام، لا أعرف أين أنا‘‘ هكذا عبرت مهاجرة إيفوارية، في أول ساعة من صباح اليوم الجمعة 29 يونيو الجاري، وهي تتكئ على جدار السوق النموذجي ’’سوق برا‘‘ المتواجد عند تقاطع شارع الحسن الثاني وشارع الجيش الملكي.

ليزا (هذا اسم مستعار للمرأة التي فضلت عدم الكشف عن هويتها، هي واحدة من المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء، الذين رمت بهم السلطات في مدينة بني ملال بعد رحلة طويلة من عرض البحر ليجدوا أنفسهم في أول ساعات الصباح يتساءلون عن مكان تواجدهم.


 

سيارات مشبوهة تفرغ حمولة بشرية:

الساعة الثانية إلا ربع من صباح اليوم الجمعة، سيارات من الحجم الكبير (سطافيت) تلف بطريقة مريبة عند المدار الواقع عند تقاطع الشارعين المذكورين، قادمة من اتجاه مدينة قصبة تادلة تدخل المدار من شارع الحسن الثاني وتلف حوله مرتين ثم تنعطف يمينا باتجاه شارع الجيش الملكي، تتقدم بضعة أمتار ثم تتوقف وتشرع في إفراغ ’’حمولة بشرية‘‘ بشكل سريع، كأنها تتخلص من عبء ثقيل وتنطلق بسرعة جنونية مبتعدة عن المكان.

أثار انتباهنا الطريقة التي كانت تسير بها السيارات وقررنا الانعطاف والسير وراءها، توقفت فجأة وتوقفنا وراءها، وشاهدنا أشخاصا مرهقين يحاولون التشبث بالسيارات ويظهر أنهم كانوا يستعطفون من بداخلها. داخل السيارات استطعنا أن نتبين شخصا يرتدي بزة عسكرية أو بزة عنصر من القوات المساعدة. وحين اقتربنا من إحداها حاملين آلة التصوير انطلقت السيارة بسرعة جنونية، تمكنت آلة التصوير من التقاط لوحة أرقام السيارة.

’’نحن لسنا بخير، أنا منذ ثلاثة أيام أعاني‘‘ هذا ما قاله ’’ناسيك‘‘ (اسم مستعار) حي سألناه عن حالة كبداية لطلب إعطائنا تصريحا حول سبب تواجدهم ببني ملال ونزولهم بتلك الطريقة من ’’السيارات المريبة‘‘.  الشاب الذي يبدو في بداية عقده الرابع، كان حافيا، وشرع يتحدث عن ما جرى بألم.


قصص عن رحلة التعب: جوع.. ضرب وحرمان

’’أوقفتنا البحرية الملكية المغربية في عرض البحر، حوالي الساعة التاسعة من صباح يوم الخميس، وشحنونا في السيارات وقطعوا بنا مسافة طويلة جدا ليرموا بنا هنا‘‘ يقول ناسيك، ويضيف ’’أنا متعب، أنا أعاني‘‘.

تجمع رفاق ’’ناسيك‘‘ حولنا وشرعوا في سرد قصصهم. أوقفتهم البحرية الملكية على متن عدة قوارب كانت متجهة نحو الضفة الأخرى، وسلمتهم إلى الدرك وبعد ذلك جرى شحنهم في السيارات، وتعرضوا خلال الرحلة للضرب، ولم تتوقف السيارات ليقضوا حاجاتهم، لم يتناولوا شيئا منذ توقيفهم باستثناء البعض الذي حصلوا على وجبة واحدة بطنجة.

تقدم شاب يعرج وقدماه حافيتان، قال ’’تعرضنا للضرب، الجنود ضربونا‘‘ سألنا آخرين هل تؤكدون تعرضه للضرب؟ ردوا بشكل جماعي تقريبا، بدون تردد ’’نعم ضربونا‘‘ وأوضح الشاب أنهم تعرضوا للضرب داخل السيارات ’’أمام رؤسائهم لم يعتد علينا الجنود، لكن داخل السيارات أفرغوا فينا غضبهم‘‘. امرأة في متنصف الأربعين تدخلت قائلة ’’لقد ضربونا بالعصي وبالأحذية، هناك من تعرضوا للكسر ولا يقدرون على المشي‘‘.

وجرى نقل المهاجرين في موكب متألف من عدة سيارات، يوضح شاب آخر ’’نقلونا في موكب يتألف من 17 سيارة، وكان جنود (يسمون كل من يلبس بزة عسكرية جنديا) يتقدمون الموكب بدراجات نارية، وكان وضعنا داخل السيارات مؤلما‘‘.

’’لقد نقلونا في رحلة طويلة، لم نأكل شيئا، كنا نتبول في قنينات كبيرة داخل السيارات وإذا تكلمنا أو طلبنا معرفة أين يسيرون بنا كنا نتعرض للضرب‘‘ يقول شاب آخر. وأكد المهاجرون أن السلطات التي أوقفتهم لم تعطهم أية توضيحات، ولم تقترح عليهم الترحيل نحو بلدانهم، ولم تخبرهم إلى أين يجري نقلهم ’’لم يقولوا لنا شيئا، فقط شحنونا في السيارات وتخلصوا منا هنا، ألسنا بشرا؟‘‘ يضيف آخر.

في محيط المحطة الطرقية لبني ملال أصبحت حركة المهاجرين من جنوب الصحراء ملحوظة، والوسطاء الذين يعملون في المحطة يتسابقون نحوهم، ’’Tanger, Tager, Allez, Allez!!(طنجة، طنجة، هيا هيا)‘‘ هكذا كان يصيح عدد من الوسطاء  لجذب المهاجرين المتعبين بعد أن علموا بقصتهم، سعر التذكرة ارتفع فجأة إلى أكثر 150 درهما.


عود على بدء:

في محيط المحطة بعض المهاجرين افترشوا الأرض وناموا بسبب الإرهاق، بعضهم ألقوا بأجسادهم على كراسي المقهى المجاورة للمحطة، والبعض الآخر يبحث عن الطعام في المحلبات أو المطاعم المجاورة.

في المقهى التقينا ’’عارف‘‘ (اسم مستعار) شاب سنغالي في الثلاثين من عمره، حاصل على بكالوريا باللغة العربية بالسينغال. ’’عارف‘‘ كان يتحدث لهجة مغربية سليمة بشكل كبير، يتوفر على معطيات حول عدد الذين تم تفريغهم في مدينة بني ملال ’’أوقفوا أكثر من 400 شخص في عرض البحر، وصل منهم 218 إلى بني ملال‘‘.

ويضيف ’’عارف‘‘ أن عددا من جنسيات أخرى أوقفوا معهم لكن قرار نقلهم إلى مدن أخرى اتخذ فقط في حق المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء ’’كان معنا مغاربة، سوريون وهنود لكنهم فصلونا نحن فقط وأحضرونا إلى هنا‘‘، أكد ’’عارف‘‘ تعرض بعض رفاقه للضرب وعدم تناولهم أية وجبة طعام منذ توقيفهم وطيلة الرحلة. وحين كنا نهم بالمغادرة سألنا ’’هل فعلا الزفزافي حكموا عليه بعشرين سنة سجنا نافذا؟ تألمت حين سمعت بالخبر‘‘ وأضاف بلهجة مغربية ’’حشومة عليهم أ صاحبي‘‘.

حين غادرنا المحطة الطرقية لبني ملال كانت مجموعات أخرى من المهاجرين تتوافد على المحطة، والوسطاء لا يزالون يصيحون ’’Tanger, Tager, Allez, Allez!!‘‘ وحول المكان كان عدد من المهاجرين يمدون أيديهم للمارة القليلين يطلبون المساعدة من أجل الأكل واقتناء تذكرة إلى طنجة.

 




هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



الانتهاء من تصنيع أحدث جهاز رصد للضوء في عمق الفضاء

فدرالية الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة بني ملال

رويشة أو عاصفة الحب في زمن الرصاص

بني ملال : إسدال الستار على الملتقى العلمي الثالث حول "الهوية بين الخصوصية والعالمية "

" كتابي الأول ـ كيف عشت تجربة الصدور الأول؟

حكاية قرار لا وطني: المغرب والتوقيع على اتفاقية أكتا

قرائة في الصحف العالمية اليوم

ذ.محمد الحجام وحركة 20 فبراير وملفات تادلة ينعيان وفاة المناضل القائد أيمن المرزوقي

ذ.محمد الحجام وحركة 20 فبراير وملفات تادلة ينعيان وفاة المناضل القائد أيمن المرزوقي

شيوخ مغاربة يصرعون الجن عن طريق الأنترنت

سيارات ’’مشبوهة‘‘ تفرغ حمولة من المهاجرين ليلا بشوارع بني ملال