أضيف في 11 يناير 2018 الساعة 36 : 14


من يتحمل مسؤولية التدبير الكارثي لمطالب حراك الريف


عدنان العمراني


تدور أحداث فيلم "Men in Black" حول كائنات فضائية تقتحم الأرض , حيث يسعى بطلي الفيلم للتعامل معها و ترويضها ...وفي سعيهما نحو إخفاء وجودها أمام الرأي العام ,يستعينون بجهاز ليزر ..تكفي نقرة واحدة منه لمسح ذاكرة من عاينوا بصريا هذه الكائنات . تبدو هذه الآلة مغرية للعديد من الأنظمة السلطوية بماهي رمزيا تكثيف لادوات الهيمنة و تضليل للرأي العام. و الحال عندنا أن الأداء الوظيفي لهذه الآلة يأخذ شكلا معكوسا .

تبدو بعض مشاهد الفيلم شبيهة بالرواية الرسمية لما حدث ويحدث بالريف , والحقيقة التي عاينها الجميع أن حراك الريف كان ولا زال سلميا و بمطالب اقتصادية و اجتماعية و حقوقية واضحة , ولا يمكن لمدينة تخرج بشيوخها و أطفالها و رجالها و نسائها ..تحمي الممتلكات العامة بسواعدها , أن تخرب الممتلكات الخاصة . و سبق أن " سجلت الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري مجموعة من الملاحظات بخصوص النشرات الإخبارية التي قدمتها ـ الخدمتان التلفزيتان "الأولى" و"تمازيغت" التابعتان للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، يومي 27 و28 ماي2017، و الخدمة التلفزية التابعة لشركة ميدي 1 تي في، يومي 27 و28 ماي 2017، ـ والتي تضمنت تغطية لبلاغ الوكيل العام لمحكمة الاستئناف بالحسيمة حول توقيف عدد من الأشخاص وربط ذلك بصور ومشاهد تعكس أعمال العنف والتخريب في سياق يوحي بأنها سبب في الاعتقالات المشار إليها في البلاغ، كما تبين كذلك أن بعضا من هذه الصور يرجع إلى أحداث شغب بمناسبة تنظيم تظاهرة رياضية تتمثل في إحدى جولات البطولة الاحترافية الوطنية لكرة القدم خلال شهر مارس 2017؛ ¨و الملايين من المغاربة اللذين لا يلجون إلى الشبكة العنكبوتية اما بسبب الأمية او انعدام الإمكانيات المادية …كان عليهم ان يقرؤوا إنذار الهاكا هذا في الجريدة الرسمية ¿¡¡.

ومن نافل القول أن تتقاطع أو تتهدد العديد من المصالح و الطموحات المتطرفةمع حراك عموده الفقري المصلحة العامة .بما هي مساءلة مدنية ديمقراطية للإختيارات الإقتصادية و الإجتماعية وفي المحصلة للنظام السياسي الغير القادر على الاستجابة للحقوق الاقتصادية و الإجتماعية للمواطنين او حتى توفير المرافق الإجتماعية الضرورية في مستوى الطموح الجمعي الذي أفرزه الزمن السياسي لما بعد حركة 20 فبراير وما أحدثه من قطيعة بين وضع الرعية و حق المواطنة بسقف دستور 2011 .

وجوهر النقاش هنا هو طبيعة الجواب السياسي الذي قدمته الدولة لمطالب ذات طبيعة اقتصادية و اجتماعية و حقوقية .و السؤال الأهم كذلك من كان يدبر هذا الملف ويتخذ القرارات ؟ علما ان رئيس الحكومة كان معتكفا في بيته بحي الليمون ينتظر فرج تشكيل الحكومة .

وواقع الأمر ان الدولة منذ بداية الحراك إلى لحظة حادثة اللغو داخل المسجد كانت تبحث عن مبررات تجعل قمع الحراك مستصاغا امام الرأي العام فبعد تراجع الأغلبية الحكومية عن تصريحاتها الشهيرة بخصوص الحراك رفضت فتح حوار مباشر مع اللجنة المنبثقة عن الحراك رغم قوته الدستورية (أي الحوارلتعود للجلوس في حراك جرادة الذي اجاب برمزيته على العديد من الإتهامات التي طالت حراك الريف.

ليس الهدف هنا سرد كرونولوجيا تطور الأحداث التي يعرفها الجميع ولكن للتوقف على مسألة الحق في الإحتجاج بدون ترخيص الذي استكانت إليه الدولة ووجدت فيه مصوغا لقمع كل الحراك وشن حملة تأديبية لكل المنطقة طالت حتى القاصرين ,والتحقيق مع صحفيين قبل توجيه التهم إليهم.

ولينتبه هنا السيد طارق اتلاتي إلى ان الجدل القانوني هنا محسوم لصالح سمو الدستور على المذكرات الوزارية و بالتالي لايمكن الإختباء في الواجبات لإفراغ الحقوق من منطوقها.ولنفترض ان الحكومة ذهبت في اتجاه ضرب مجانية التعليم و في نفس الوقت بماهي سلطة تنفيذية ممثلة في وزارة الداخلية منعت أي شكل احتجاجي سلمي للأسر المغربية بمبررات تأثير الإحتجاج على الحركة الإقتصادية أو غيرها من المببررات التي تطال منع انشطة لجمعيات مرخصة داخل قاعات عمومية ...علما أن الإستقرار بمفهومه العام يتحقق من خلال هذا التوازن بين السلطة التنفيذية و الحركة الإحتجاجية .و استحضار الاستاذ اتلاتي في هذا المقال ليس لصفته الأكاديمية المحصل عليها في تعليم عمومي بل بصفته كممثل للدولة المغربية كما صرح ذات برنامج على قناة فرانس 24 , و إن كان الوارد ان انتحال هذه الصفة لها تبعات سياسية خطيرة لطبيعة موضوع نقاش البرنامج .

تجدر الإشارة إلى أن حراك الريف تزامن مع أحداث كاتالونيا وتابعنا جميعا و على بعد 15 كلم كيف تعاملت الدولة الإسبانية مع مطالب جماهيرية و مؤسساتية تسعى إلى تاسيس دولة جديدة داخل الإتحاد الأوربي وليس مطالب اقتصادية و اجتماعية و حقوقية هذا دون ان نسوق امثلة لتعاطي الدول العريقة في الديمقراطية مع مثل هذه المنعطفات .ويبقى لافتا بلاغ وزارة الخارجية قبل مصادقة البرلمان الإسباني على تفعيل الفصل 155 من دستوره .

خطورة المقاربة الأمنية لحراك الريف لاتكمن فقط في قمع حركة إحتجاجية سلمية او تفويض وإرهاق المؤسسة الامنيةفي الجواب على مطالب اقتصادية و اجتماعية وحقوقية صرفةبل في اعتبار الحق في الإحتجاج كتهديد امني و ليس كممارسة لحقوق دستورية .وبالتالي العودة إلى مايجيده المخزن منذ عقود و التنصل من دستور 2011 فيما يشبه انقلابا صامتا.لا شك أن الدولة كانت تملك العديد من الاليات و الميكانيزمات للتعامل سياسيا مع حراك الريف بما تقتضيه المصلحة الوطنية من الترسيخ الدستوري لزمن مابعد 20 فبراير وثانيا لتكريس أعراف تشكل أرضية لتعاطي السلطات العمومية مع الحركات الإحتجاجية وهي تعلم جيدا لا من خلال التاريخ الحديث أو التطورات الحالية أن المقاربة القمعية مصيرها الفشل .لكنها فضلت المقاربة الأمنية لفعاليتها على الأمد القصير و هي اليوم تتخذ اشكالا و صيغا متعددة ترتكز في جانب منها على التوظيف السياسي و الإنتقائي للقانون وفي المحصلة تدميرمتواتر لمفهوم الدولة .

قد يعتقد العقل المخزني ربما ان ارتفاع عدد المهاجرين المغاربة في السنة الاخيرة و عودة قوارب الموت من شانه ضخ المزيد من العملة الصعبة أو كما بشر رئيس الغرفة التشريعية برفع دولة خليجية لتأشيرتها لكن واقع الحال هو تبديد كل التراكم فيما يتعلق بملف المصالحة على هزالته و تجريم الفعل الإحتجاجي السلمي و حجز ممارسته كحق دستوري يؤدي بالضرورة إلى إنعاش الخطابات المتطرفة الحاضنة للإرهابوالمزيد من العزوف عن العملية السياسية سواء في شقها الرسمي أو الجماهيري ,وإحداث نوع من التصادم بين أدوار و ضوابط المؤسسة الامنية و الشارع .




هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



الاكتتاب الأولي لفيسبوك يحدد قيمتها بين 85 و95 مليار دولار

جون ترافولتا يواجه تهمة جديدة بالتحرش الجنسي

جامعة السلطان مولاي سليمان- بني ملال وأنامل الإبداع

رويشة أو عاصفة الحب في زمن الرصاص

بني ملال : إسدال الستار على الملتقى العلمي الثالث حول "الهوية بين الخصوصية والعالمية "

بنكيران يُدشن افتتاح معبد يهودي في حي الملاح بفاس

فالدانو يدخل على الخط و يطالب الفيفا بالمزيد من التوضيح

ادريس لشكر يصف بوعشرين بالمأجور

مخيم أولاد عياد ينذر عامل الفقيه بن صالح

المعطلون يبدعون في المهرجان الأورو-متوسطي للسينما بالناضور

منظمة أمازيغية تتهم الريسوني بتوظيف الدين للهجوم على الحركة الأمازيغية

لماذا قدم الغرب سوريا لتنظيم القاعدة وايران على طبق من ذهب ؟

حقوقيو فاس ينددون بالقمع ويرصدون تلاعبات في لوائح الناجحين

صراع وعنف وسرقة في موسم زاوية الشيخ تزامنا مع زيارة والي جهة تادلة أزيلال

حوار: من المسؤول عن سقوط رجاء بني ملال؟

صبيحة يوم الدماء في مصر،أمريكا ستقرر عبر مجلس الأمن

الدخول المدرسي، حلم وأمل..

أنوزلا وراء القضبان بسبب فيديو

انفراد: الكرونولوجيا الكاملة لأحداث آسا، البئر التي ورطت السلطات

سكان لامبيدوزا يصفونهما بالمجرمين: باروزو وليتا يعتبرانها فاجعة المتوسط