أضيف في 08 دجنبر 2017 الساعة 10 : 23


هل ما زالت فلسطين قضيتنا الأولى؟


خالد أبورقية


قال وزير الحرب الصهيوني موشيه يعالون أن فلسطين لم تعد قضية العرب المركزية، وأضاف بخبث في كلمة له أمام مؤتمر ’’هيرتسيليا‘‘ السنوي والذي انعقد مطلع يونيو/ حزيران الماضي، أنه لا يرى حلا قريبا للصراع بين ’’الفلسطينيين والاسرائيليين‘‘. بهذه الكلمات تبجح يعلون كما لو أنه يشير إلى إنجاز تاريخي حققه الكيان الصهيوني بعد أن خرجت آلة الحرب الصهيونية من كل المواجهات التي مرت بها خلال العقدين الأخيرين بشكل خاص بفشل عسكري واستخباراتي ذريع.

ونحن نطالع تصريحات يعالون قد نصاب بالرعب، فقد ظلت مشاعر الشعوب العربية والشمال-إفريقية على الدوام مشدودة نحو أسوار القدس العتيقة، رغم دأب إزميل الصهيونية الذي يعمل نبشا في الحجارة المتراصة هناك، ما جعل المثقفين والسياسيين يجزمون أن قضية فلسطين هي ’’القضية المركزية للأمة‘‘. لكن هل ما تزال فلسطين بالفعل القضية المركزية الأولى؟ ألم يصب ’’عزم الأمة‘‘ بعد سبعة عقود من الصراع بالوهن؟ هل ما تزال ’’الأمة‘‘ تتعامل مع فلسطين كأولوية الأولويات، أم أن كل ما يزال يربطها بها هو الواجب ومنطق ’’أضعف الإيمان‘‘؟

صلاة لمدينة الصلاة !!

’’الطفل في المغارة.. وأمه مريم.. وجهان يبكيان‘‘ كلمات من أغنية زهرة المدائن التي هزت بها فيروز مشاعر الملايين من العرب وأصدقائهم في الجهات الأربع. ’’زهرة المدائن‘‘ إلى جانب أغاني مارسيل خليفة وأميمة الخليل وجوليا بطرس وفرقة العاشقين وغيرهم كثير، صارت أكثر من أغان بل تحولت إلى أيقونات ثورية وشعارات تصدح بها الملايين في المظاهرات مهما تكن مطالبها، بل إن تلك الأغاني صارت لازمة المظاهرات حتى إن البعض يعتقد أن بعضها هي النشيد الوطني الفلسطيني وصار ترديدها أقرب إلى تراتيل قداس أعياد الميلاد.

وبينما كانت ’’الأمة‘‘ الخارجة من هزيمة نكراء على يد العدو الصهيوني تجر أذيال الانكسار، صدح صوت فيروز يشير إلى الشعب الفلسطيني القابع في مغارة الرعب الصهيوني، وقف الشعب الأعزل متشبثا بأرضه وغرسه كطفل يتشبث بتلابيب أمه التي لا تملك سوى دموعها، ذرف الشعب الأعزل قوافل من الشهداء وذرفت فلسطين حجارة مقدسة ومدنا عزيزة والقدس ظلت مخرزا في العين، وفيما كانت الأنظمة تلهث وراء التطبيع، اكتفت الشعوب بالصلاة لأجل مدينة الصلاة.

فلسطين قضية وطنية في كل مكان:

تحولت القضية الفلسطينية منذ هزيمة 1967 إلى شأن يومي لشعوب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أصبحت فلسطين عنوانا للحرية وكل ما يأتي من فلسطين صار أيقونة للنضال، فالكوفيات الفلسطينية مثلا كانت أهم اكسسوار في كل المظاهرات حتى ولو كانت من أجل مطالب اجتماعية بسيطة، فيما نافس العلم الفلسطيني أعلام الدول في عقر دارها ولم يكن عسيرا على المتظاهرين أن يستغنوا على أعلامهم الوطنية والاكتفاء برفع علم فلسطين في جل المظاهرات.

هذا التأييد الشعبي العارم والربط بين قضية فلسطين والقضايا الوطنية والمطالب اليومية للشعوب، دفع الأنظمة القائمة في ’’البلدان التبعية‘‘إلى محاولة جر البساط من تحت أرجل الحركات المعارضة والتي كان يسارية في مجملها، عبر تبني القضية الفلسطينية في إطار مؤتمرات وقمم لجامعة الدول العربية من أجل إنهاء احتكار اليسار للقضية خصوصا مع اندلاع الثورة المسلحة، صارت القضية الفلسطينية محور صراع داخلي في جل الدول وحصنا تقصف المعارضة منه الأنظمة القائمة.

ففي المغرب مثلا شكلت القضية الفلسطينية محور جذب بين النظام ومعارضيه، وقدم اليسار المغربي ثلاثة شهداء على الأقل من أجل فلسطين هم زبيدة خليفة وعادل الأجراوي الذين قتلا بالرصاص في فاس سنة 1988 أثناء قمع مظاهرة للطلبة تضامنا مع الشعب الفلسطيني حين منع الحسن الثاني التضامن مع فلسطين، والثالث هو عبد الرزاق الكاديري الذي قتل أثناء قمع مظاهرة للطلبة بمراكش سنة 2008 من أجل التنديد بالحرب الصهيونية على غزة. أما النظام المغربي من جانبه فقد حاول كسر احتكار ’’الثوريين‘‘ للقضية الفلسطينية حيث ترأس الملك الراحل الحسن الثاني والملك الحالي محمد السادس لجنة القدس وروجا نفسيهما على الدوام كمدافعين عن القضية رغم الوتيرة المتسارعة للتطبيع مع الكيان الصهيوني منذ عقود طويلة.

تهريب الحرب المقدسة:

بعد نجاح ثورته في إيران أعلن الخميني أن الصراع مع إسرائيل صراع وجودي وليس مجرد نزاع سياسي، شبيه هذا الموقف تبنته في السابق جماعة الإخوان المسلمين، وأثرت التطورات التي عرفها الصراع مع ’’اسرائيل‘‘ في ظهور حركات تعتبر القضية مرتبطة بالعقيدة الدينية حيث شكل اجتياح بيروت سنة 1982 أساسا متينا لظهور حزب الله اللبناني، وساهمت الانتفاضة الأولى في الإعلان عن تأسيس حركة حماس،  كحركتي مقاومة مسلحة فتحتا المجال للصراع باسم الله.

وبينما تمكنت الحركات المقاومة على أساس ديني من توحيد ’’مشاعر الأمة‘‘ حول فلسطين بمقومات جديدة، كانت المعادلة الدولية تصاغ بأرقام جديدة على إيقاع توازنات الحرب الباردة بين المعسكرين الأقوى في العالم. وتزامنا مع الانتصارات التي حققتها المقاومة الاسلامية وصعود نداءات الجهاد انفجرت أزمة أفغانستان لتجد الأنظمة العتيقة مخرجا عبر تصدير المقاتلين إلى هناك بدعوى الجهاد ضد الكفر والإلحاد وضرب الطوق على الشيوعية التي تهدد الإسلام والمسلمين، وبذلك تخطت ’’اسرائيل‘‘ الخطر الذي شكلته دعاوى الجهاد بعد الدرس الذي تلقته في السابق من تدفق المقاتلين من مختلف الدول وانخراطهم في قتالها إلى جانب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الفصيل اليساري داخل منظمة التحرير الفلسطينية.

حكومات المتدينين:

رغم التطورات التي عرفتها القضية الفلسطينية عبر عقود، من اتفاق كامب ديفيد إلى اتفاق أوسلو وضغط الأنظمة العربية من أجل فرض ’’اسرائيل‘‘ على الشعوب كأمر واقع، ظلت المشاعر الشعبية ترفض أي تسليم في فلسطين، وظلت فلسطين في الأذهان والمشاعر هي كل فلسطين، هذه المشاعر التي أججتها الانتفاضة الثانية ’’انتفاضة الأقصى سنة 2000‘‘ وزاد من شحنها فرار الصهاينة من غزة سنة 2005 والانتصار التاريخي لحزب الله في حرب تموز 2006، وبدا حلم التحرير أقرب إلى التحقق.

ومع تفاقم الأزمة المالية العالمية بعد سنة 2008، لم يكن حلم تحرير فلسطين وانتصارات المقاومة ليغني عن طموحات الشعوب في تحسين أوضاعها الداخلية والمعيشية، لتندلع بعدها شرارات الانتفاضات التي سميت بالربيع، وجلبت نسائم الربيع حركات التيار الديني إلى الحكم بعد استعمالها لخطاب لامس مشاعر الملايين واستثمارها لانتصارات الاخوان في ’’الحرب المقدسة‘‘.

لكن خطابات الحركات الدينية اصطدمت بصخرة الواقع العنيد، حيث أعلن محمد مرسي فور ترؤسه التزام بلاده بكافة الاتفاقيات الدولية والتي تعني ضمنا اتفاقية كامب ديفيد التي طالما طالبت جماعته بإلغائها واكتفى برفع جزئي للحصار على غزة بينما سربت ’’إسرائيل‘‘ رسالته إلى رئيس الكيان الصهيوني بشأن إعادة السفير المصري إلى تل أبيب والتي فرض البروتوكول أن يخاطبه بصديقكم الوفي.

وفي تونس رفضت حركة النهضة الاسلامية إقرار تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني ما شكل مدخلا للتشكيك في مصداقية خطابها من طرف الخصوم، كما رفض حزب العدالة والتنمية في المغرب بدوره تجريم التطبيع فيما انفجرت فضيحة استقباله لعوفير برونشتاين المستشار السابق لرئيس الحكومة الإسرائيلية ثمانية أشهر فقط بعد مظاهرة عارمة نظمها نفس الحزب ضد مشاركته في ندوة دولية بطنجة وصفت خلالها صحيفة الحركة والحزب برونشتاين بالمجرم والصهيوني.

التعامل البراغماتي للحركات الدينية مع القضية الفلسطينية بعد وصولها إلى السلطة شكل صدمة للجماهير التي تماهت طوال عقود مع دعواتها للجهاد ومع خطاباتها المحرجة للأنظمة والتي كانت تطالب فيها بوقف التطبيع وتجريم التعامل مع العدو الصهيوني وإلغاء الاتفاقيات معه والتبشث بفلسطين من البحر إلى النهر، أما في جنوب لبنان فكانت قصة أخرى.

أوجد تطور الانتفاضة السورية وتحولها إلى حرب أهلية واقعا جديدا في المنطقة، وتابعت الشعوب كيف تحولت المظاهرات المطالبة بالحرية والديمقراطية والعيش الكريم إلى حرب طائفية، وكيف وقف ’’المجاهدون الجدد‘‘ هناك على التخوم مع فلسطين وبدل توجيه عتادهم المتطور نحو ’’إسرائيل‘‘ وجهوه إلى صدور ’’الشيعة والعلويين والنصارى‘‘ لينشغل بدلك حزب الله في الدفاع عن وجوده بعد أن كان على الدوام عينا ساهرة على القضية.

شاهدت الملايين التي خرجت في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كيف تحولت شرارات انتفاضاتها ومطالبها إلى رماد وكيف عادت السياسات القديمة إلى التحكم برقابها، وكيف خرج غول ’’داعش‘‘ ينشر الرعب في الأرض، تابعت الملايين ’’المجاهدين الجدد‘‘ وهو يعلنون أن قتال ’’الشعية الروافض والعلويين النصيريين‘‘ يشكل أولوية على قتال إسرائيل وأن ’’الأمر الإلهي‘‘ يقضي بقتال ’’الذين يلونكم في الدين‘‘ وبدأت فلسطين تنأى.

الطفل في المغارة.. وحده:

كانت فلسطين منذ هزيمة 1967 النداء الصاعد في الحناجر على إيقاعات الثورة، ولم تخل شعارات ووثائق أي مشروع ثوري أو حركة معارضة من ذكر فلسطين، وبينما اعتبرت الهزيمة العسكرية هزيمة للمشروع القومي نهضت فيروز تبشر بأن ’’الغضب الساطع آت‘‘ ضدا على كل المتخاذلين والمتباكين وحتى المهرولين.

بعد ذبول انتفاضات الربيع وانفلات المارد الداعشي من عقاله، وإخفاق المقاربة البراغماتية لحركات اليمين الديني وانكسار أمل الشعوب في التحرر، وانشغال حزب الله في حماية ظهره وتلكؤ الغضب الساطع في الوصول ، يبدو أن الشعوب تركت عزلاء من كل أمل ، فيما يبدو أن الطفل ترك في المغارة وحده، قد يبدو هذا واقعا مريرا لكن الشعور القوي تجاه القضية الذي ترسخ في لاوعي الشعوب يؤكد أن هذه القضية بالذات يستحيل أن تنسى.

نشر بجريدة السفير بتاريخ 14 غشت 2015




هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



الانتهاء من تصنيع أحدث جهاز رصد للضوء في عمق الفضاء

إصابة أربع نساء بجروح متفاوتة الخطورة في تدخل أمني عنيف في مسيرة سلمية تطالب برحيل رئيس الجماعة بإ ي

زراعة الكيف تجارة مربحة وجب تقنينها ؟

الباعة المتجولون بني ملال

رسالة مفتوحة للوالي الجديد

رويشة أو عاصفة الحب في زمن الرصاص

وكالة التنمية الاجتماعية قدمت 30 مليون درهم لدعم مشاريع وبرامح التنمية الاجتماعية في جهة تادلا ازي

استمرار معركة البطون الفارغة للمعتقلين السياسيين ال10

بني مــلال فــي مــواجهة التتــار الجـديــد

اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان تزور مناجم عوام بإقليم خنيفرة إثر مصرع ثلاثة عمال

هل ما زالت فلسطين قضيتنا الأولى؟