أضيف في 07 ماي 2017 الساعة 14 : 14


رسالة من فتاة سجينة


نوال السعداوي

وقعت في يدى الجريدة منذ أيام قليلة رأيت صورتهما بالصفحة الأولى شعر الفتاة أسود غزير كما كان شعرى قبل أن يسقط ، ملامحها تذكرني بأمي قبل أن تموت تشبه

ملامحي حين كنت أبتسم، نسيت عضلات وجهى الابتسام لم أنظر في مرآة منذ ستة أعوام أخذوها المرآة والقلم الرصاص أيضا أخذوه منى قالوا إنه من الأدوات الحادة وإحدى المسجونات قتلت نفسها بقلم رصاص.

في الصورة رأيته جالسا كالأسد في عرينه الخصلة الصفراء تنتصب فوق رأسه كعرف الديك يلمع وجهه تحت الأضواء تهتز عضلاته في ذبذبات قوية مع حركة جسمه العنيفة، وأعنف ما فيها أنها تبدو تلقائية شبه طفولية ليست مفترسة أو متوحشة رأيت الظبى الوحشي لأول مرة في كتاب المدرسة الابتدائية كان يبدو أكثر وحشية من الأسد: "لا يهجم الأسد إلا عندما يجوع، بعض الناس يهجمون رغم امتلاء البطون" هذه العبارة وردت في مقال أبى المنشور حينئذ، كنت في التاسعة من عمرى هجم زوار الفجر على بيتنا في اليوم التالي أخذوا أبى بملابس النوم كانت تهمته "المساس بالذات العليا" ولم أره بعد ذلك اليوم..

أصبحت أمي تحذرني من المساس بالذات العليا لم أعرف بالضبط ما هي الذات العليا لكنى ابتعدت تماما عن أمور السياسة تخرجت في كلية العلوم بتفوق، وحصلت على وظيفة ممتازة في شركة كبيرة، ذات يوم من شهر مارس سمعت زميلاتي يتحدثن عن مسيرة نسائية في عيد المرأة، قالت أمي: اذهبي يا ابنتي وأنا معك فالجميع يتحدثون عن تمكين المرأة يا ابنتي أمور النساء لا تدخل فى السياسة ولا تمس الذات العليا يا ابنتي "ارتدت أمي فستانا جديدا لونه أبيض، وضعت شالا أخضر حول كتفيها سارت بين صفوف النساء بخطوة نشيطة، عادت فتاة عذراء تضحك وتمرح لأول مرة أسمعها تضحك سرت الى جوارها يدى في يدها نهتف مع الشابات: "صوت المرأة ثورة ، صوت المرأة ليس عورة"..

فجأة هجم علينا البوليس ورجال بالجلاليب والشوم أصابت أمي ضربة فسقطت فوق أسفلت الشارع تجمعنا حولها أنا وزميلاتي نلف الشال الأخضر حول رأسها لإيقاف النزيف، لكن ضربة أخرى أصابتني أفقدتني الوعى ، حين أفقت وجدت نفسى في السجن ومعي أمي ومجموعة من البنات كانت أمي تنزف ولا أحد يسعفها وأنا في شبه غيبوبة..

ماتت أمي بعد إعادتها للبيت بأسابيع قليلة وأنا تعرضت للفحص الطبي بالسجن لم أعرف ماذا كانوا يفحصون بالضبط لم أملك الشجاعة لأنظر لجسدي بعد خلع ملابسي، خاصة الى تلك المنطقة المحرمة المحاطة منذ طفولتي بالخوف والإثم، وبقيت في زنزانتي العام وراء العام ستة أعوام ثم توقف عقلي عن التفكير تماما وشعرت بالراحة..

رأيت الصورة بالجريدة منذ أيام قليلة كنت متربعة على الأرض أمام الصحن المعدني الصدئ فيه بقايا شوربة عدس بلون إسهال الأطفال، ونصف رغيف مقدد يغطيه التراب غفوت وأنا جالسة سقط رأسي فوق صدري كما يحدث للعجائز إذ يسقطون في النوم وهم جالسون رأيت أمي داخل فستانها الجديد الأبيض لا تلوثه بقعة دم كانت تضحك وتمرح كالأطفال وتغنى مع البنات " صوت المرأة ثورة لا عورة" سألتها باندهاش ألم تموتي يا أمي منذ ستة أعوام كما قالوا ؟ ابتسمت أمي بسخرية: كدابين كلهم أنا عايشة يا بنتي، سألتها هل تم الإفراج عنك؟ قالت: "طبعا وصورتي منشورة في الجورنال" لكن وجه أمي لم يظهر بالصورة، ربما انقلب عليه الصحن وطمسته شوربة العدس، وجهه هو كان واضحا كأنما منحوت في الحجر تذكرت أنني رأيته من قبل في الصور والتماثيل منذ الإله رمسيس الأول الى الاسكندر الأكبر وبونابارت وأبو الهول الذى سقط أنفه برصاصة في إحدى الغزوات لكن علوم الوقاية من الرصاص تقدمت، وتطورت فنون الحرب والنحت يمكن للفنان أن يصور الهر هتلر ليصبح له ملامح المسيح هكذا كان الوجه يتغير أمامي في الصورة تتذبذب ملامحه في دوامة من الإيحاءات تطيح بالوجه الحقيقي ليسقط في غياهب الأغوار، وتبرز القوة الطاغية فوق السطح ومن تحت الجلد يتخفى الانشقاق بين فظاظة البطش وانكسارة الضعف.

 




هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



إحتفالا باليوم العالمي لحرية الصحافة جمعية الأعالي للصحافة بأزيلال تدعو إلى مكتسبات جديدة في حرية ال

رسالة مفتوحة للوالي الجديد

وكالة التنمية الاجتماعية قدمت 30 مليون درهم لدعم مشاريع وبرامح التنمية الاجتماعية في جهة تادلا ازي

اللجنة المحلية لأساتذة اللغة العربية والثقافة المغربية بباريس وضواحيها تسطر برنامج نضالي تصعيدي تحت

إلى المناضل الانسان محمد بنراضي مـَازِلـْتَ حـَيـٌا

بني مــلال فــي مــواجهة التتــار الجـديــد

" كتابي الأول ـ كيف عشت تجربة الصدور الأول؟

حدث السنة: من يحول المغاربة إلى منفيين في وطنهم؟؟؟

مواجهات عنيفة بمراكش بعد اقتحام الحي الجامعي

مسيرة تنديدية بكلية الأداب بمراكش بعد إعتقال 15 طالبا

حركة فيمن ظهرت في المغرب أخيرا .. شوارع الرباط شاهدة على ذلك

رسالة من فتاة سجينة