أضيف في 02 أبريل 2017 الساعة 34 : 21


فيلوقراطية، القول الفصل في تشكيل حكومة الانقاذ الوطني‎ ... بقلم: الأستاذ عبد الرحيم زيكوك *


فيلوقراطية
من الذي يجب أن يحكم؟
هو ذا السؤال الأفلاطوني الذي تبلور في إطار الفلسفة السياسية منذ عصر صاحب كتاب”الجمهورية” إلى يومنا هذا، ولا زال يحمل نفس القوة والثقل الفلسفيين والسياسيين. ذلك ما جعل منه سؤالا راهنيا يدفعنا نحو بناء مدينة/دولة منظمة وعادلة.
الحديث هنا، سيستهدف نمطا خاصا من “أنظمة الحكم” سينتشلنا من براثين العبث، و الفوضى، وعدم الوضوح الذي خيب آمال الشعوب المتخلفة ككل، والشعب المغربي على وجه الخصوص، لا سيما اللغط الذي رافق جدل تشكيل الحكومة لما يقارب ستة أشهر.
محاولتنا هذه، عبارة عن طرفة فلسفية ستسافر بنا  أحداثها عبر الزمن لاستجلاء عدد من الأفكار الفلسفية العميقة لتشخيص واقعنا تشخيصا دقيقا، لفهمه فهما صحيحا، وتغييره تغييرا جذريا.
يتعلق الأمر هنا بتشكيلة حكومية منتظرة “منسجمة بقطاعات محددة” يقودها عدد من الفلاسفة القادرون على حل مشاكلنا، ومساعدتنا على تجاوز أزماتنا غير المحدودة في جميع القطاعات، والتي نتخبط فيها لردح من الزمن. هؤلاء الحراس الكاملين الأكفاء،سندعوهم ”فيلوقراطيين” وهم في نظرنا، المؤهلون دون غيرهم لقيادة المدينة/ الدولة التي ننشدها جميعا.
إليكم أعزائي عزيزاتي، التشكيلة الحكومية التي تم انتدابها للانغمار في تجربة البناء الديمقراطي الحقيقي في وطننا، وخوض غمار المعركة السياسية بكل تفان و إتقان.
أفلاطون، رئيسا للحكومة لما أبان عنه من تنظير  و تفكير فلسفيين، ولما له من تجربة سياسية في إطار ما يسمى ب”حكومة الثلاثين” بأثينا وفق ما تحدث عنه في رسالته السابعة، ونظرا كذلك لتخطيطه الاستراتيجي الذي سيجعل من الدولة، دولة عقل وليس دولة الشهوة المنغمس حاكمها في الملذات الحسية الزائلة. فالحاكم العادل الحكيم، ينأى حتما عما تأتيه عامة الناس.
سقراط الفيلسوف المتهكم، الأستاذ المحاور  المهندس..عقل المدينة/الدولة الذي يفكر برجليه متجولا في الفضاء العام، سيشغل منصب وزارة الدولة وبدون حقيبة، لأن ذهنه يؤهله إلى القيام بدور التنسيق والتفكير في كل القضايا و إطْلاع باقي الوزراء بما يعود بالنفع على قطاعاتهم..

أرسطو المعلم الأول، المنطقي المشائي المغوار،  صاحب المعرفة العملية، أي تلك المعرفة التي تجعل الناس قادرين على التصرف السليم والعيش في سعادة، سيتقلد مسؤولية تحديث القطاعات والشؤون العامة، كما سيشارك في وضع الدساتير وفق نظرة عقلانية أخلاقية، إذ يعتبر أن “الدستور هو ترتيب مناصب الحكم في دولة ما”. كما  سيشارك في تأطير ندوات لتحسيس الناس بأن ترسيخ أسس علاقة صداقة الفضيلة بين الناس بيعا عن صداقتي المتعة والمنفعة، هو الذي سيؤهلنا للعيش حياة سعيدة، ولن نكون وقتئذ بحاجة إلى العدالة والقوانين الزجرية، وسنبتعد حتما عن التطرف كما فصل القول في كتابه “علم الأخلاق إلى نيكوماخوس“.

أما أبو الوليد بن رشد الفيلسوف، قاضي قضاة قرطبة، فسيقود وزارة الشؤون الدينية لما  عُرف عنه من رجاحة العقل وتفوق بين أقرانه في معرفة كنه وحقيقة مجالين أساسيين هما الحكمة والشريعة، والتصدي للمغالطات التي ينشرها  بعض المشوشين في صفوف المواطنين من قبيل: تعارض الفلسفة والدين!!  ونشيرهنا إلى أن هذه المغالطات أتت من المشرق البعيد جدا عن نهر الحضارة الخالد. هذه الوزارة المهمة سيتمكن ابن رشد من إدارة شؤونها بكل احترافية وتبصر.
في حين سنجد فيلسوف الذاتية، فيلسوف الأنا/الوعي،رائد العقلانية، العالِم الذي يسعى إلى ترييض (من الرياضيات) الطبيعة وجعلها تحت سيطرة الإنسان لتحقيق الخير الأسمى الذي هو حفظ الصحة، سيشغل منصب وزير الصحة، لما يكتسيه الطب من أهمية في نظره، وباعتباره أحد الفروع الأساسية للفلسفة عنده كشجرة جذورها الميتافيزيقا وجذعها الفيزيقا، والفروع التي تخرج منها تنتهي إلى ثلاثة علوم أساسية: الطب، والأخلاق، والميكانيكا.
هذه الشجرة الديكارتية، لكي تنتعش وتعطي الثمار، لابد من فلاحة أرضها بدل قطعها أو اجتثاثها كما يدعو إليه البعض، فقد تم إحداثوزارة خاصة بالفلاحة فقط سيتكلف بشؤون تسييرها مارتن هيدغر. هذا الفيلسوف الذي ركز على عنصر  آخر يجب أن ينضاف إلى تلك الشجرة معتبراً أنّ ديكارت أهمله، وهو عنصر الأرض أو الأساس الذي تستقرّ فيه وتتغذّى جذورها منه، وتلك الجذور ضاربة في الأعماق وتتفرّع في الأرض لتمكّن الشجرة من الحياة والنمو.

ووفق ما تحدث عنه رئيس المدينة/الدولة، فقد تم إحداث وزارة خاصة بالصيد يديرها الفيلسوفبيير كاي نظرا لدعوته الصريحة إلى أن الفيلسوف//الوزير يجب أن يكون صيادا ماهرا مبدعا يحسن اختيار الأفكار التي تخدم نسقه/قطاعه بعيدا عن كل عشوائية وفوضى.
أما قيادة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، فلن نجد أكثر من رجل اسمه إيمانويل كانط مؤهل لتلك المهمة أكثر منه،   كفيلسوف الأخلاق المبنية على العقل، فيلسوف التنوير الذي جعل من الشخص قيمة مطلقة باعتباره غاية في ذاته و ليس مجرد وسيلة تستخدمه هذه الإرادة أو تلك وفق هواها؛ المدافع على كرامة الشخص وحريته.
بينما هيجل فيلسوف المطلق، صاحب فكرة الجدل والسيرورة التاريخية نحو التقدم، فسيتكلف بوزارة الثقافة، كوزارة أساسية في كل دولة تتجسد فيها الروح المطلق فعليا على أرض الواقع. الدولة التي يمتثل فيها الأشخاص لروح شعوبهم وثقافاتهم.

وغير بعيد عن قطاع الثقافة، سيتحمل فيلسوف التعاقد جون جاك روسو، المنظر التربوي وزارة التربية و التعليم، لما قدمه من مواقف تقدمية في هذا المجال، خاصة ما قدمه في كتابه الشهير “إميل أو في تربية الطفل من المهد إلى الرشد”  ككتاب يبين لنا أن المشروع السياسي كيفما كان لن تنجح عملية أجرأته إلا بالمرور عبر التربية، التربية التي تراعي خصوصية الطفل طبعا.

أما الاسم الآخر من فلاسفة التعاقد، طوماس هوبس، فجعله الحق على أساس القوة، لكون الإنسان في نظره شرير بطبعه، فالمهمة التي سيقوم بها هي تدبير وزارة الداخلية، وسيساعده السوسيولوجي الألماني ماكس فيبر لدفاعه المستميت عن أحقية الدولة في استخدامها العنف المادي المشروع والمنظم لضمان الأمن و استتباب السلم.
يتفق المنظرون السياسيون على أن الحكومة كي تكون منسجمة، وتسوس شؤون المواطن على أساس الحق و العدالة، يقتضي الأمر أن يتحقق مبدأ أساس وهو “فصل السلط” ، وهذا ما يدافع عنه مونتسكيو، صاحب روح القوانين بقوة، لتفادي  الحكم الاستبدادي؛ لأن الشخص لا يمكن أن يكون حَكما و خصما في نفس النزاع. ارتأينا أن نجعله رئيسا للبرلمان كمنصب ثالث في المدينة/الدولة.
وسيأتي الفيلسوف جون راولز على رأس وزارة العدل والحريات كمؤسسة ضرورية للدفاع عن كرامة الأفراد وحقوقهم، وضمان حرياتهم لحمايتهم من الأخطاء التي قد يقع فيها التطبيق الحرفي للقوانين.. تساعده في المهمةجاكلين روس لتأكيدها على أهمية الحق والقانون في الدولة المعاصرة.
وتماشيا مع نفس المجال، نجد الفيلسوف ميشيل فوكو يهتم بشؤون السجناء لما له من دراسات  في هذا الجانب، خاصة كتاب “المراقبة و المعاقبة، ميلاد السجن” وتطبيقا للخلاصات التي توصل إليها في دراسته لمختلف التشكيلات الخطابية منها وغير الخطابية؛ سيتمكن من تدبير إدارة السجون كآلية وهيئة ضرورية لكل مجتمع لإصلاح المواطنين وإدماجهم في الحياة العامة، بدل اعتقال شخص وإدخاله إلى السجن كهاوٍ ويغادره كمحترف.
أما وزارة الاتصال والتواصل فسيشغل منصبها فيلسوف مدرسة فرانكفورت هابرماس، نظرا لثقافته الواسعة في هذا الميدان واحترامه لأخلاقيات التواصل. خاصة وهو الذي دشن مشروع ضرورة العقل التواصلي بدل العقل الأداتي الذي أدخل الناس في أزمة تواصلية حادة.
غير بعيد عن مجال التواصل تم تكليف الفيلسوفة جوليا كريستيفا بشؤون الهجرة،  والتركيز على أن المهاجرين مواطنون حقيقيون يتمتعون بالمواطنة الحقة لإدماجهم في البلد بالرغم من جنسياتهم المختلفة لرفع الغربة عنهم. كما تعبر بشكل مستمر على التخلص من النظرة التحقيرية للأجانب “الغرباء”.
بينما تم تعيين الفيلسوفة حنا أردنت كوزيرةللأسرة والتضامن، للدفاع عن حقوق النساء والأطفال وعموم المواطنين في التجمع بدون قيود وفي التجوال والسفر…كما تؤكد على رفض العنف،  والتركيز بالمقابل على ضمان شروط الحرية التي تحميها القوانين العادلة، وترى أن مقياس وجود الحرية من غيابها هو الممارسة و ليس التنظير. وستساعدها في المهمة الكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار لدفاعها المستميت  خاصة عن حقوق النساء وحرياتهن ضد كل ثقافة ذكورية، إذ تعبر عن ذلك بقولها: “لا نولد نساء بل نصير كذلك بالثقافة”.
في حين نجد ميشيل أونفري على رأس وزارة الشباب و الرياضة، نظرا لمحاولاته المستمرة لإخراج الفلسفة من المؤسسات و الأكاديميات إلى كل الفضاءات لتكون فنا للعيش والاحتفاء بالحياة.
أما رئاسة مجلس المستشارين فإن الشخص  القادر على تدبيره بشكل جيد، هو فيلسوف التعاقد جون لوك لما لها من صفات تؤهله لإدارة  التفاوض مع مختلف الأطراف وتركيزه على ثقافة التسامح في ظل الحكم المدني.
وإذا كانت كل دولة بحاجة إلى من يحمي سيادتها ويدافع عنها ضد الأعداء الخارجين، وإذا كانت هذه المهمة صعبة، فلن تُترك للارتجالية بل للاحتراف و الخبرة والتخطيط الاستراتيجي الرصين، وهذه المهمة سيقوم بها بنجاح الفيلسوف كلوزوفيتش الخبير بشؤون الحرب، والمدرك بكون الأخيرة استمرار للسياسة لكن بوسائل أخرى. فأفكاره تُدرس اليوم في مختلف الأكاديميات العسكرية في الدول المتقدمة تطبيقا لكتابه “عن الحرب”. يتعلق الأمر هنا بوزارة الدفاع وحماية الأمن القومي؛ وسيساعده المستشار الدبلوماسي  السياسي الفيلسوف ماكيافلي لما له من صفات  تساعده على إدارة الصراع مع مختلف البلدان بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لأن الحرب خدعة، كما أن استعداده لها يكون في السلم أولا و ليس لحظة الاختناق..

كل هذه القطاعات الوزارية المهمة بحاجة إلى تمويل واقتصاد حقيقي لتحقيق التنمية والتقدم، وهذا الأمر الجلل لن يقوى عليه إلا الفيلسوف والمنظر الاقتصادي كارل ماركس. لذلك سنجده على رأس وزارة الاقتصاد و المالية، وسيعمل على التوزيع العادل للثروات لتجاوز الصراع الطبقي عن طريق القضاء على التفاوتات الطبقية التي تغذي الاحتقان الاجتماعي وتورط المواطنين في الاقتتال المجاني والمؤذي.
نظرا للتطور التكنولوجي الحاصل اليوم، وما يسببه من تقلبات مناخية خطيرة تهدد وجود الإنسان، فقد تقرر إحداث وزارة مكلفة بشؤون البيئة يدبرها الفيلسوف إدغار موران الذي يدعو إلى  ضرورة “الفيلسوف كمؤسسة” تقوم بدور التنسيق بين مختلف العلوم الفزيائية والرياضية والبيولوجية .. لإنشاء علم صديق للبيئة. فاشتغال كل علم بعيدا عن ثقافة فلسفية حقوقية سيؤدي إلى تدمير الإنسان وإلى انقراضه!! إن الحقوق البيئية في نظر وزيرنا/ الفيلسوف تعتبر جيلا ثالثا من حقوق الإنسان بعد الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وباعتبار التاريخ ذاكرة الشعوب، وهو ينزل بالنسبة للإنسانية منزلة العقل بالنسبة للفرد؛ فقد اتفق الجميع على تعيين ابن خلدون مؤرخا للمدينة/الدولة، وسيقوم بول ريكور بمهمة القراءة النقدية لكل الإنتاجات التاريخية لتفادي الوقوع في الخطأ و تجاوز العائق الايديولوجي الذي قد يتسرب إلى الكتابة التاريخية بوعي من المؤرخ و بدونه.
إذا ثبت القول أن منطق الديمقراطية، يقتضي التحاور والاختلاف، وأن كل حكومة قوية بحاجة إلى معارضة قوية، فهناك أنباء عن قيادة المعارضة من طرف معارضين أنداد بزعامة الفيلسوف الثائر فريدريك نيتشه المدعوم بالتصور المزعج لشوبنهاور، والأنثروبولوجي كلود لفي ستراوس، ورائد السوسيولوجيا دوركايم وكذا بيير بورديو. والمثقف العضوي غرامشي. وفلاسفة مابعد الحداثة أمثال ديريدا و دولوز… والفيلسوف الوجودي سارتر..
ونحن نكتب هذه الطرفة الفلسفية يحذونا أمل أن يكون كل وزير على دراية بصنعته ومجاله، وأن يشغل كل شخص المكان الذي تؤهله إليه كفاءاته وقدراته، بعيدا عن منطق تقسيم الغنيمة والتعطش إلى السلطة؛ وستبقى آلامنا إلى أن يكون لدينا ذووا الثقافة الفلسفية على رأس الوزارات، دون ذلك، فكن مستعدا أيها المواطن البسيط لتجرع المزيد من المرارة، مرارة انكسار تلو آخر.

*أستاذ الفلسفة.




هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



مغاربة الفيسبوك يسخرون من زيارة هولاند للدار البيضاء

لماذا قدم الغرب سوريا لتنظيم القاعدة وايران على طبق من ذهب ؟

الزياني، جيمس بوند مصغر مسلم في كاتالونيا

عاجل: إضراب وطني للجماعات المحلية يوم 28 يونيو

رفاق الحمزاوي في المؤتمر الوطني ال11: 22 سنة من الشرعية.

الإخوان المسلمون: إخفاقات متتالية. مقال تحليلي

فاطمة الإفريقي تكتب: صيف حارق

قراءة في فنجان الحكومة

عماد كابو: لا خيار أمام المعطلين لفرض تنازلات حقيقية من طرف النظام سوى جبهة قوية

اعتقال عشرات الأشخاص بأمريكا في مظاهرة ضمت 10 آلاف للمطالبة بحقوق المهاجرين

فيلوقراطية، القول الفصل في تشكيل حكومة الانقاذ الوطني‎ ... بقلم: الأستاذ عبد الرحيم زيكوك *