أضيف في 01 أبريل 2017 الساعة 25 : 21


الكوجيطو المغربي المجروح .... بقلم: عمر أوهنيك


شيئا فشيئا يغزو "الإلكتروني" حياتنا إلى درجة كبيرة، يؤثر في تشكيل تصوراتنا، ونمذجة اختياراتنا، ويعمل على إعادة تعريفنا بشكل لافت؛ هكذا بدأنا نبتعد عن هويتنا الواقعية، الحسية، المادية، التجريبية...نحو هوية افتراضية ورقمية هلامية. أمام هذا الانزياح/ الانزلاق، ربما يمكننا الإقرار بتحقق السيناريو الكارثي والمرعب الذي توجس منه بعض المفكرين والفلاسفة مثل (مارتن هايدغر) واعتباره التقنية كميتافيزيقا جديدة، و(مدرسة فرانكفورت) من خلال مفاهيم "الاستلاب" أو"الانسان ذو البعد الواحد" فلاسفة تنبهوا الى الخطر الداهم للتقنية الذي يمثل جوهر اشتغال النسق الرأسمالي المعاصر، القائم على الربح واغتراب الانسان واستلاب كينونته.    

يشمل مفهوم التقنية مجالا واسعا، ويمكن أن نكتفي فقط بصيغتها الرقمية أو الإلكترونية، وأكثر تحديدا ما يتعلق بالإنترنت، ومعلوم أن موجة "الإنترنت"، ابتدأت مع سنوات السبعينيات، حيث  بدأت تلوح في الأفق هذه المتغيرات. لكن لم تكرس هيمنتها على الإنسان إلا مع ظهور تطبيقات التواصل الاجتماعي " الفايسبوك، اليوتوب، الواتساب، الانستغرام..."حيث عرف العالم شيوع هذه التطبيقات، التي أصبحت اليوم بمثابة قدر لا يمكن مواجهته (قدر الكتروني بالطبع) والمغرب بدوره سيعيش على وقع هذه الموجة الجديدة، لكن ليس من موقع المنتج أو المستفيد، بل من موقع المستهلك السلبي.

لا يخفى أن لهذا التطور حسنات كثيرة من حيث تقليص المسافات وجعل العالم بمثابة قرية صغيرة والاستفادة من المستجدات العالمية أو الوطنية على جميع المستويات : سياسيا، معرفيا، فنيا،..، لكن، لا يمكن كذلك إنكار ما لهذه التطبيقات التقنية من أثر على حياة المغاربة، حيث يكفيك أن تتوفر على حساب فايسبوك، أو تتردد على فيديوهات اليوتوب أو تتصفح موقعا إلكترونيا... لتتعرف على حجم تأخرنا التاريخي، ومقدار التفاهة والتسطيح الجاثم علينا، وبشاعة الصورة التي نرسمها لأنفسنا أو للآخر. لا تكاد تصادف سوى أخبار فنانات زائفات وممثلات هاويات، ونجوم مراهقين، أو فيديوهات عن عراك هنا وأخر هناك، واغتصابات في هذه المدينة وسرقة في أخرى.. إشاعات، تضليل، شرطة، شغب، مخدرات، اجرام، وتشرميل من كل نوع... نشر غسيل يومي يكشف حجم الخسارة التي نتكبدها بشكل متكرر.

أما عن الفايسبوك، فيصعب أن نجد شخصا لا يتوفر على حساب( خصوصا الفترة العمرية بين 16/40 سنة) للوهلة الاولى سيظهر الأمر كما لو أنه تجسيد لوعي تقني حقيقي، لكن الأمر بعكس ذلك، مجرد موضة استهلاكية، أصبح معها الفضاء الأزرق بمثابة عيادة إكلينيكية تعج بكل الأمراض النفسية، فضاء لتفجير الكبت" الكبت الاجتماعي، السياسي، العاطفي..." ووسيلة للتعويض عن إخفاقات "اليومي" من خلال محاولة تبني مواقف غير أصيلة وتقمص هويات وأسماء مزيفة والظهور ببروفايل" المثقف، المناضل، التقي، المحبوب، الجذاب، البوكوس..." القائمة طويلة، لكنها ليست صحيحة في الغالب.

لاشك أن خلف هذا الانفجار الافتراضي تقف خلفيات، سياسية وإيديولوجية واقتصادية. فعلى المستوى العالمي، يسعى النظام الرأسمالي الى تأبيد استغلاله للإنسان، لكن منطق التطور يفرض عليها إبداع وسائل جديدة للهيمنةـ، أي الهيمنة الناعمة Soft Domination، وهنا يمكن استغلال هذه المكتسبات من أجل الحفاظ على الوضع لصالح الطبقات الحاكمة، أما في المغرب، فخلف هذه الموجة الجديدة، تكمن أيضا نفس الغايات، وبأساليب أقل ذكاء وأكثر وقاحة. والهدف هو الترويج لأفكار وقناعات ومشاريع مخزنية وإضفاء الشرعية على منظومة ايديولوجية مثالية معينة وخلق توافق/ تواطؤ حولها، وذلك عبر تمكين شخصيات ونماذج من احتلال مساحات واسعة من فضاء وسائل التواصل الاجتماعي في نسخته المغربية، وإظهارها كأبطال حقيقيين( لمجرد/ رشيد شو/ دنيا باطمة... والقائمة طويلة وتافهة في العمق.   

أمام المعطيات السابقة. وبتحليل فلسفي، يمكن الحديث عن برورز "كوجيطو جديد" يمكن أن نسميه بنوع من التجاوز "كوجيطو لاديكارتي" وهو ما نستطيع التعبير عنه ب( أنا متصل، إذن، أنا موجود Je connecte, donc je suis) عوض الصيغة الديكارتية المشهورة "Je pense, donc je suis" والفرق كبير بين الاثنين، ف(ديكارت) يجعل من العقل والتفكير خاصية أساسية، وما يستلزمه من عمليات مجاورة له ك"الشك والتحليل والتخيل والافتراض والإدراك والإرادة والرغبة..." التي تشكل جوهر هذا الكوجيطو، في حين أن العالم الافتراضي يؤسس لكوجيطو أجوف "مستهلك، متوهم، مهلوس، فصامي، سلبي، انفعالي، فرجوي..." الأول يفكر ويحاول التأسيس للحقيقة عن طريق العقل، والثاني يستهلك ويؤسس للوهم عبر الصورة.

تأتي هذه المحاولة، من أجل التنبيه الى ضرورة التفكير في مثل هكذا مواضيع، نظرا لتأثيرها القوي في عالم اليوم، ولمحاولة عقلنة ممارساتنا تجاه هذا القدر الجديد، فهو في نظري بمثابة فضاء عمومي جديد وبديل للفضاء العمومي الذي نظر له الفيلسوف الألماني (يورغن هابرماس) وبما أنه يكتسي بعض ملامحه، فنحن مدعوون الى تأصيل أخلاقيات التواصل داخله، من قبيل "التوافق/ الإقناع/ العقلانية/ التسامح/... بغاية كشف استراتيجيات الهيمنة التي تحاول توجيهه، ومحاربة كل أشكال القبح والتفاهة والابتذال التي تسعى للسيطرة عليه، وأخيرا من أجل التأسيس لفضاء ديمقراطي وعقلاني ولو في صيغته الافتراضية.




هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



الانتهاء من تصنيع أحدث جهاز رصد للضوء في عمق الفضاء

العيون: السلطات تعنف مطالبين بتقرير المصير وتعري متضامنين إسبان وتورد رواية مغايرة (فيديو)

24 شخصا قيد المراقبة الطبية بعد تلقي قنصليات أجنبية في إسطنبول مسحوقا مشبوها

انفجار عنيف يهز منطقة صناعية في كندا

أزيلال: اعتداءات ’’ايت عاشور‘‘ متواصلة على ضحاياهم

ظهور جديد لمرض جنون البقر يربك سوق اللحوم العالمية

تأجيل أول محاكمة في ملفات الفساد في الجزائر

بني ملال: تتويج الفائزين في الأولمبياد الجهوي في مادة الفلسفة

محكمة كندية تأمر باستخدام اموال ايرانية لتعويض ضحايا هجمات

الأولمبية الدولية لن تفرض عقوبة إيقاف شامل على بعثة روسيا في ريو

الكوجيطو المغربي المجروح .... بقلم: عمر أوهنيك