أضيف في 28 مارس 2017 الساعة 28 : 20


موت الأحزاب السياسية في المغرب ...بقلم عبد الحفيظ خازمة


تعتبر الأحزاب السياسية قاطرة النظام الديموقراطي وواجهته الرئيسية، فصلاحه من صلاحها وفساده نتيجة فسادها؛ وهي الفاعل الأساسي في الدولة والقائم على إدارة شؤونها وتنفيذ السياسات العامة. إلا أنه في أغلب دول العالم الثالث وجدت الأحزاب لغير ذلك، فهي مجرد اكسسوار أو ماكياج يزين وجه الأنظمة الحاكمة والقائمة على أسس غير ديموقراطية، وشريك لها في نهب ثروات الشعوب. ولكي تؤدي هذه الأحزاب الدور المنوط لها بإخلاص، يلجأ الحاكم إلى إفقادهما عناصر القوة وتدجينهما لتوافق أهواءه ومصالحه. والمغرب كدولة ثالثية وذات نظام حكم غير ديموقراطي، فهي لا تخرج عن هذا السياق، رغم ما شهده من محاولات لتأسيس أحزاب قوية. فكيف كانت تجارب هذه الأحزاب، وكيف انتهت؟

بداية يمكن الإقرار بأن قوة أي حزب سياسي تتحدد من خلال ثلاث معطيات وهي :

1-الخط الفكري والايديولوجي،

2-القوة التنظيمية للحزب كمؤسسات داخلية (الهيكلة وطنيا، جهويا، محليا...) ووجود تنظيمات(مكتب سياسي، مجلس وطني، شبيبات ...)،

3-الارتباط بالجماهير، 

حاليا في المغرب إسوة بدول العالم، يعتبر العامل الأول لاغيا ومنتهي الصلاحية، أو على الأقل، لم يعد المعيار الأول لتوجهات الناخبين أو مرجعا رئيسيا لبرامج الأحزاب، خاصة منذ أفول الفكر الاشتراكي عقب سقوط المعسكر الشرقي ونهاية حلم الدولة الاشتراكية، تم تحول الأحزاب الاشتراكية إلى أحزاب إصلاحية. وكذا إفلاس الأحزاب الوطنية و انهيارها أمام المد الرأسمالي، وظهور القيم العالمية المشتركة (حقوقيا .سياسيا. اقتصاديا...). إضافة إلى فشل الأفكار القومية و تراجع  مبدأ الأمة، مقابل ظهور مبادئ الفرد/المواطن داخل الدولة المشتركة.

أما العامل الثاني فقد تميزت الأحزاب المغربية منذ نشأتها الأولى، إما بالتعاضد حول شخصية الزعيم الواحد، تأتمر بأمره و تخضع لقراراته، تسير على خطاه وليس على منهج وبرنامج الحزب، إلى درجة ينعت فيها الحزب باسم الزعيم. أو كتجمع للأعيان والإقطاعيين بغرض الدفاع عن مصالح شخصية والحفاظ على النظام القائم من أي اختراق شعبي ديموقراطي (الأحزاب الإدارية). وتتميز المؤسسات الداخلية في كلا النموذجين بطابعها الصوري، فيما القواعد مجرد أتباع مؤيدين للزعيم أو المجموعة القائدة، باحثين عن مكاسب شخصية وامتيازات. ولم تك هذه الأحزاب تولي أي اهتمام للقاعدة الجماهيرية، فالمواطن بالنسبة إليها مجرد صوت انتخابي، تحتاجه مرة واحدة كل خمس سنوات؛ و لن تعدم الوسيلة للحصول عليه، إما بشرائه بثمن بخس أو عبر تزكية أعيان محليين باسم الحزب لمن يجيدون الوسائل الخاصة للحصول على صوت المواطن لضمان مقعد برلماني للحزب، وامتيازات مادية ومعنوية لأنفسهم. ولهذا فكثيرا ما نجد هؤلاء في كل ولاية يترشحون باسم حزب معين، منتقلين من أقصى السيار إلى أقصى اليمين، دون أن يجدوا في ذلك حرجا طالما أنه يضمن لهم مكاسب أكثر. وكنتيجة تصبح المقرات الجهوية والمحلية مجرد دكاكين تفتح خلال المواسم الانتخابية فقط لبيع التزكيات وشراء الأصوات، و تقفل بعدها في انتظار الاستحقاق المقبل.

يمكن أن نستثني من هذا الواقع الحزبي المأزوم تاريخيا، حزبين  رئيسيين اثنين هما : )حزب الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية( و)حزب العدالة والتنمية( ومن غريب الصدف أو لمكر المخزن أن فترة بداية أفول الأول(الاتحاد الاشتراكي) تزامنت مع صعود نجم الثاني(البيجيدي)فقد تميز الحزبان بامتلاكهما لأضلاع القوة الثلاثة المذكورة (كل واحدة في فترة قوته) الأمر الذي جعل السلطة تضع نصب أعينها القضاء عليهما وجعلته شغلها الشاغل، ليس عبر مسحهما من الخريطة السياسية، لكن من خلال تدجينهما وإفقادهما عناصر القوة، ليلائما سياساته. ونفس الخطة التي انتهت بها أسطورة الاتحاد الاشتراكي تتكرر الآن مع العدالة والتنمية مع وجود فارق في السياقات السياسية وطنيا ودوليا. فقد كانت البداية أو الضربة الأولى للبيجيدي بعد أحداث "ماي 2003" التي استغلها المخزن لإفقاد الحزب قوته الاديولوجية من خلال اتهامه بالضلوع في الأحداث ولو من الناحية المعنوية، أي اتهامه بتبني الفكر المتطرف، مما وضع الحزب في مأزق لم يتخلص منه إلا بعد أن نفى عن نفسه صفة الحزب الإسلامي، إذ سارع "مفكرو" الحزب حينها وفي ما بعد، للتأكيد على مدنية الحزب وإيمانه بقيم الديموقراطية وأن الإسلام ليس سوى مرجعية للحزب كما لجميع المغاربة(كمسلمين) ليفقد الحزب رسميا ضلعه الأول (القوة الايديولوجية)كما فقده الاتحاد الاشتراكي بعد سقوط جدار برلين.

عقب حراك 2011 وجد المخزن نفسه أمام فرصة ذهبية لضرب عصفورين بحجر واحد، أولا إنقاذ نفسه من المد الثوري المتصاعد في المنطقة والقضاء على "حركة 20 فبراير" وثانيا، إقحام حزب العدالة والتنمية في لعبة (فخ) التسيير بغرض ترويض قياداته وفصلها عن قواعد الحزب، عبر إجبارها على اتخاذ قرارات تتعارض مع مبادئ الحزب وانتظارات شبابه، وهو ما نفذته هذه القيادات وعلى رأسها "الأمين العام /رئيس الحكومة" طيلة خمس سنوات من تولي زمام المسؤولية، من خلال التعايش مع رموز الفساد والارتماء في حضن المخزن. ويشكل ما يحدث حاليا، الفصل الأخير من هذا المشروع من إذلال لمؤسسات الحزب (المجلس الوطني .الأمانة العامة...) وذلك عبر عزل الأمين العام من رئاسة الحكومة و فرض تحالفات على الرئيس الجديد(العثماني)التي كانت إلى الأمس القريب تشكل خطا أحمر بالنسبة للحزب. كل ذلك بغاية ضرب لاستقلالية قراره الداخلي وشعاراته (وعوده) الانتخابية...وهو نفس الأمر الذي حدث مع الإتحاد الاشتراكي بدء باستوزار "اليوسفي" في 1998 تم عزله في 2002 مع مشاركة الحزب في "حكومة جطو" والخروج عن المنهجية الديمقراطية.

أما الضلع الثالث والأخير من أضلاع القوة(الارتباط بالجماهير) فهي القوة التي مكنت الحزب من تصدر الانتخابات لولايتين متتاليتين، رغم أن هذا لا ينفي بداية فقدان هذه القوة، إذ أن حصول الحزب في الانتخابات الأخيرة على مقاعد أكثر مما حصل عليه في 2011 راجع بالأساس إلى طبيعة الخصوم الحزبيين وليس للحزب في حد ذاته. فالحزب بدأ يفقد ذلك الزخم الجماهيري والتعاطف الشعبي بشكل مسترسل. وبدأت ترتفع حدة السخط عليه بسبب قراراته المجحفة سواء أثناء تسير الحكومة السابقة والتي مست المواطن البسيط في الصميم (الخزان الانتخابي للحزب) أو تدبير المفاوضات الحالية، وانقلابه على وعوده وبرامجه الانتخابية واستغلاله لأصوات الناخبين، لخدمة أجندة جهات أخرى وانبطاحه أمام ضغوطات الجهات العليا(القصر ومحيطه) بشكل أثار استياء أنصار الحزب قبل خصومه.

أمام المعطيات السالفة الذكر، حول أزمة الأحزاب السياسية بالمغرب، فإن ظهور أحزاب شعبية (من الشعب وإلى الشعب ) وذات استقلالية القرار الداخلي،  رهين بتغيير بنية النظام الحالي وتأسيس نظام جديد أكثر ديمقراطية وأكثر وضوحا، وإقرار نظام انتخابي شفاف ونزيه، يحترم إرادة الناخب ويساعد على بناء تحالفات على أساس برامج و رؤى مشتركة وليس بمنطق الوزيعة والبراغماتية. هذا الأمر ربما بدأ يلوح في الأفق، فحدة السخط الشعبي ترتفع يوما بعد يوم وأضحت مقاطعة الانتخابات نوعا من الاحتجاج  على الوضع الحالي وليس مجرد لامبالاة كما كان عليه الحال من قبل،كما أن ارتفاع حجم اهتمام المواطن بالسياسة، خصوصا الشباب، سيؤسس لا محالة لنظام جديد يرضي طموحات الأجيال الصاعدة والتي تخالف أهداف النخب الحالية.




هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



الاكتتاب الأولي لفيسبوك يحدد قيمتها بين 85 و95 مليار دولار

الانتهاء من تصنيع أحدث جهاز رصد للضوء في عمق الفضاء

اعتصام وإضراب عن الطعام أمام “المجلس الوطني لحقوق الإنسان”

ش. قصبة تادلة- ات. المحمدية: 0- 0

إصابة أربع نساء بجروح متفاوتة الخطورة في تدخل أمني عنيف في مسيرة سلمية تطالب برحيل رئيس الجماعة بإ ي

بيان حقيقة من مدير م/م تارماست

جمعية الأطلس المتوسط لبائعي السمك بالجملة والتقسيط بني ملال تؤسس مكتبها

زراعة الكيف تجارة مربحة وجب تقنينها ؟

اجتماعات مجموعتي عمل الحماية والنهوض للجنة الجهوية لحقوق الانسان ببني ملال

جامعة السلطان مولاي سليمان- بني ملال وأنامل الإبداع

جامعة السلطان مولاي سليمان- بني ملال وأنامل الإبداع

صدمة مغربية أمام مبادرة الولايات المتحدة حول الصحراء

بعد اختلافها حول الموعد، حركات تمرد تتفق على إلغاء التمرد

عرض لأبرز عناوين الصحف الصادرة اليوم

عرض لأبرز عناوين الجرائد والصحف الصادرة اليوم

مافيات النهب في عهد الحسن الثاني الجزء الأول

عرض لأبرز عناوين الجرائد والصحف الصادرة اليوم

عرض لأبرز عناوين الجرائد والصحف الصادرة السبت والأحد

حدث غير اعتيادي: مزاد علني لبيع الكلي بالرباط، والقوات العمومية تتدخل لتعنيف المعطلين

مافيات النهب في عهد الحسن الثاني الجزء الثاني