أضيف في 16 ماي 2013 الساعة 10 : 21


زوبعـــة الميـــزان فــي الفنجـــان





لقد قفز الأمين العام لحزب الاستقلال حميد شباط قفزة أخرى في عملية التصعيد التي شنها ضد حزب العدالة والتنمية، الحزب الذي يرأس الحكومة حاليا وذلك بإعلانه الانسحاب من الائتلاف الحكومي، )رغم اعتبار تيار بدون هوادة الاستقلالي القرار والمجلس الوطني مفبركين)، وبهذه الخطوة يكون شباط قد نفذ تهديداته في هذا الاتجاه ضد حكومة بن كيران، لكن التساؤل يبقى قائما:
لماذا هذا القرار الآن؟ وما هي خلفياته الحقيقية؟ وضد من وجه بالتحديد؟.
منذ مجيء شباط على رأس الحزب العتيد، وهو يشن حربا ضروسا ضد حزب بن كيران وضد حكومته وضد وزراء حزبه الاستقلاليين الممثلين فيها، خصوصا نزار بركة والوفا وكل من لم يزكي زعامته.
إلا أن هذه الحرب لا تتضمن خطابا سياسيا معارضا بمفهومه السياسي الحقيقي، (الذي وصل عند حزب التراكتور بالتحذير من تملك المصباح للدولة بعد تملكه للحكومة) ولا أفكارا جديدة ولا تصورات خاصة ولم يحضى بنقاشات ساخنة وقوية في أروقة البرلمان وداخل أجهزة ودوالب الحزب نفسه، بل إكتفى بإعطاء هذه الحملة طابعا شخصيا محضا يكيل فيه لابن كيران بصفة خاصة كل أنواع السباب والعداء إلى درجة أنه اتهم بعض وزراء الحكومة بالسكارى والخيانة الوطنية !؟
والآن وقد أعلن شباط إنسحابه من الحكومة، فإننا نتساءل بكل جدية: هل خرج فعلا من الحكومة وإلى أين وفي أية خانة سيضع حزبه؟
هذا التساءل مشروع تزكيه ردود أفعال شباط مباشرة بعد الإعلان عن الانسحاب، وحتى قبله.
حيث أن المطالبة بالتحكيم الملكي والتمسك بمقتضيات الفصل 42 من الدستور، يؤكد تأكيدا قاطعا الاضطراب الكبير الذي حصل لشباط، من جهة أن الفصل المذكور42 يذكر فقط مكانة الملك والملكية في الدولة وفي هرم السلطة وهذا الفصل إلى جانب الفصل 41 الذي قبله يذكران بالفصل 19 من الدستور القديم. حيث أن الفصل 42 بعيد كل البعد عن قرار الإنسحاب من الائتلاف الحكومي الذي أعلنه شباط عبر المجلس الوطني للحزب كمرجع، ومن الملاحظ أن هذا القرار إذا كان يعتبر في حد داته جرأة سياسية فإن محاولته الاحتماء تحت مظلة الملكية يعبر على عكس ذلك، على نوع من الجبن السياسي. ذلك أنه عندما كان يؤكد شباط على استقلالية قراره، فإن تمسكه بالفصل 42 من الدستور و بطلب التحكيم الملكي تنم عن العكس تماما.
ضمن هذا الموقف المضطرب يريد شباط أن يعلن بأن حربه موجهة ضد حكومة ابن كيران لشخصه وبعض خصومه وليس للحكومة كمؤسسته.
وفي الوقت الذي يتحدث فيه البعض عن أزمة سياسية في المغرب، وذلك بالفراغ الذي سيحدثه إنسحاب وزراء حزب الاستقلال من الحكومة إن نفذ وبالتالي ضرب الأغلبية الحاكمة في الصميم، فإنه بدأت تظهر نوايا شباط الحقيقية منذ الآن.
فقد أصبح شباط يتحدث عن إمكانية الرجوع إلى الحكومة واضعا شروطه لذلك.
ومن بين هذه الشروط إعادة توزيع الحقائب الوزارية والمطالبة بنفس المطالب التي كان قد طالب بها الحزب إبان تشكيل الحكومة الحالية وبصفة خاصة وزارات التجهيز والنقل والخارجية والصحة.
لكن إذا كانت المطالبة بهذه الوزارات مفهومة على أساس أنها كانت مسنودة لغيره، فإن مطالبته بوزارة المالية والاقتصاد يثير الاستغراب لسبب بسيط هو أن هذه الوزارة قد آلت إليه في الحكومة الحالية في شخص نزار بركة.
حيث أن هذا الموقف يترجم أمرا مهما وهو أن نزار بركة لم يعد عضوا محسوبا على حزب الاستقلال، وفي جميع الأحوال فإن هذا الطرح ينم عن الاضطراب الكبير الذي يطبع مواقف حميد شباط.
فهو يدعي الاستقلالية في القرار وفي نفس الوقت يطالب بالتحكيم الملكي، كما أنه يدعي الوصول إلى إسقاط حكومة بن كيران وفي نفس الآن يريد إعادة تقسيم الكعكة الحكومية.
وبالتالي يكون بن كيران قد خرج من الحكومة ليعود إليها في نفس الوقت.
إن المطالبة بإعادة توزيع الحقائب الوزارية يطرح إشكالا دستوريا حقيقيا؟ ذلك أن هذا التوزيع لا يتم إلا في ظل تشكيل حكومة جديدة، لأن الأمر يتجاوز مستوى تعديل حكومي عادي. إلا أن تشكيل حكومة جديدة لا يتم منطقيا إلا بإحدى الصيغ الواردة في الفصول 47 و103 و104 من الدستور وليس الفصل 42.
فالفصل 47 هو الذي يعطي للملك إمكانية وشروط تشكيل حكومة جديدة وتعيين رئيس لها، في حين أن الفصلين 103 و104 يمكنان رئيس الحكومة من حل البرلمان عن طريق التصويت بمنع الثقة أو بسحبها.
وخلاصة القول إن حرب بن كيران لم تقع، ولم يسجل فيها أية ضحايا وكأنها زوبعة في فنجان، وما سمي بالأزمة السياسية مرت من مكان آخر، ولم يظهر لها أثر في سماء المغرب ولم تندر بأية عاصفة.
فالمغرب رجع إلى هدوئه المعلوم وانتظاريته الأبدية، في انتظار الفصل الثاني من المسرحية؟ في حين أن الأزمة الاقتصادية والمالية تنخر جسم المجتمع والدولة دون إبداء أية مقاومة حقيقية لمواجهة هذه الأزمة.
أما سيناريو الفصل الثاني من المسرحية، فلن يكون بناءا على ما سبق، حكومة جديدة تفرزها انتخابات جديدة على أنقاض حل الحكومة والبرلمان الحاليين، اعتبارا لكونهما المؤسستين الوحيدتين المرتبطتين بالدستور الجديد في حين تعتبر المجالس الجماعية القروية والبلدية والإقليمية والجهوية والمهنية غير دستورية بما فيها الغرفة الثانية، لأنهم لازالوا محكومين بالدستور السابق؟ !.
كما أن ملامح الفصل الثاني من المسرحية تكمن في موقف الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية التي اعتبرت قرار انسحاب الاستقلال من الحكومة، غير رسمي ولم يقدم بشكل رسمي، بل هو شأن داخلي يهم حزب الاستقلال وحده، وأن الحكومة لا زالت مستمرة بدون تغيير، إلى أن يثبت ما هو رسمي.
وبما أن هاته الزوبعة الفنجانية لم تكن نتيجة تنسيق واضح لشباط مع مكونات الأغلبية، إن أراد البقاء ضمنها، أو مع المعارضة إن أراد التموقع داخلها، فإن ملامح الفصل الثاني من المسرحية يمكن رسمها في أقصى الحالات، بتعديل حكومي لبعض الوزراء وحتى مكونات التحالف، كما جرت العادة القديمة في الدساتير القديمة والدورات السياسية القديمة، والقاضية بتعديل حكومي لكل الحكومات السابقة بعد سنتين من عمرها، وإذا عرض هذا بعد رفع الستار للفصل الثاني في المسرحية الجارية، ستكون الحكومة الحالية في ظل الدستور الحالي يعيدان إنتاج العادة السرية/ العلنية القديمة، ولا جديد ليس فقط تحت الشمس، بل كذلك تحت نور المصباح وساطور الميزان التقليدي للأسواق الشعبوية عفوا 
لشعبية التي لم تعد أسبوعية، بل أصبحت يومية في مغرب القفزة النوعية والزوبعة الشباطية. 

ذ.محمد الحجام 
مدير نشر جريدة ملفات تادلة






هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



زوبعـــة الميـــزان فــي الفنجـــان

زوبعـــة الميـــزان فــي الفنجـــان