أضيف في 26 ماي 2012 الساعة 13 : 18


رويشة أو عاصفة الحب في زمن الرصاص


إنه زمن هيمن فيه الصمت حتى انكسر الصوت واضمحل الكلام خوفا من العقاب الجاهز للانقضاض.

أن ترتعش من خوفك قد يقودك نحو خانة المساءلة عن فعلك اللاإرادي هذا. أن تتحدث عن حزنك مع الناس هو من قبيل المغامرات التي قد يلتقطها إحدى " الشكاما " لكي يعجل ببيعك لنخاسي  زنازن الاستنطاق واستطبلات الإهانة لتي يختمها المصير المجهول .

إنه زمن شكل تاريخا وجدانيا لمنطقة خنيفرة التي كان عليها أن تداري احباطات أهلها وانكسارات أبطالها وتبتسم وفي حنجرتها شوكة الأسى وهي الثكلى والأم المكلومة من فقدان أبطالها وكثرة أيتامها وانحسار أراملها وثيبها بين جدارات القنوط والأفق البعيد .

لقد كانت سبعينات القرن الماضي في بلدة خنيفرة عبارة عن سنوات  عجاف هجرتها طبيعتها التي أبت إلا أن تختفي لتترك للجفاف السياسي فرصة الاستراحة فوق ترابها وعلى أغصان أرزها المغتصب . يوميات هذا العقد قصمت ظهر جيل خبر فيها القسوة المفرطة والحراسة اللصيقة بدمه وعروقه ، وسافر في رعبها الليلي الطويل كشتاء الأطلس الجميل ، كما اكتوى ببرودة قلوب السلطة التي لم تكن تشبه برودة قمم الجبال التي تحرس منذ الأزل الماء والربيع وحرية التنقل بين الآفاق والأحلام .

 الغرباء يطوقون مجالس الأنس بين الأصدقاء التي تلتئم حول طاولات مقاهي البلدة التي كانت قبلة للجدل والتنكيت وإعادة اكتشاف روايات "بالزاك " وغوركي " و" وتولستوي " والاستعداد لموسم سينمائي نضالي يبني صروحه أساتذة وتلاميذ  يحبون النور وركوب المغامرات  الفكرية رغم وجودهم على هوامش العواصم العلمية والمدن  المغرية ونصارى جاؤوا من عاصمة الأنوار ليعلموننا الرياضيات والمسرح وشعر " لامارتين " .

كانت آذان الرقباء تحاول سرقة السمع بجسارة مكشوفة والرفاق منهمكون في اكتشاف قارات الشعر السريالي وعبثية "بيكيت" وسخط "سارتر" على الآخرين . كان" فرويد" صديق المتمردين على الطابوهات من أبناء جيلنا  ورمز التحرر من ربقة التقاليد الجاثمة على مدارس لا تعرف كيف تفصل بين الموت والحياة في برامجها . لكن ماركس كان يحظى بمكانة محترمة في تكوين هؤلاء الرقباء الذين حفظوا اسمه حتى صار جزء من سجل الحالة المدنية لكل هذا الشباب الذي أبلى في استنشاق روح الحداثة الأولى القادمة من الغرب مباشرة إلى جبال الأطلس بدون أن تمر من بوابات المؤسسسات أو من خطب الأئمة أو رجالات العهد القديم .

 حار الرقيب وهو يتابع جرافات الثورة التي ما أن تصمت في الجبال حتى يشعلها الطلاب في المقاهي والحدائق العمومية التي وضع عشبها الأول رجل من السلطة لكنه من طينة مغايرة مر من هنا وصنع الجنان على أرصفة خنيفرة وترك النخيل على طرقها وأشجار الكاليبتوس على غبارها الصيفي ورحل بعدما انطلق البارود في منطقة نفوذه وقيل له إنك متهم ومتورط في ترك هؤلاء القوم يلعبون بالبنادق حتى تجرؤا على تسديد فوهاتها  إلى صدر السلطة التي كنت أنت حاميها وأصبحت الآن حراميها ، فهجروه واعتقلوه ونبذوه، لكن البلدة تحتفظ في قلبها بحب خاص لهذا الرجل الذي كان يلبس زي الميدان ليس من أجل أن يكسر عظام زيان بل لكي يحميهم ويعلمهم كيف يحولوا مجرى نهر أم الربيع لتفادي شروره وكثرة فيضاناته وليفتح لأبنائهم أوراش التعاون الوطني في عز الصيف حتى يجنبهم البقاء على الأرصفة أو التحول نحو بيع نخوتهم على قارعة الطريق .

تبيت مدينة خنيفرة في العراء الاستخباراتي وتفيق على أصدائه في نهار منكسر الجناح لتحصي معتقليها بل مختطفيها الذين سرقت حريتهم في عز الليل وهم خالدون في دفئ أبنائهم على عادة نومنا في أطلس الحميمية والتواضع والنوم على الحصائر والتلحف بالجلابيب قرب المدافئ في انتظار فرج الطبيعة ولقاء فجر يوم سعيد .

كلما تورم جسد القوة القاهرة لأنفة بسطاء مدينة الرعود والبرق الأزرق الذي يعمي عيون المتلصصين على وصلات الحب لدى عاشقي الربيع والماء والأقحوان كلما انكمشت أسوار خنيفرة وجدرانها ذات الشيب الأحمر الذي يسلب الزرازير قبل أن يمنحها لون الأمن والانتماء لكي تخفي وجدانها الهش في قلب حوانيت الصناع التقليديين والتجار الصغار والأزقة المغلقة على الأطفال خوفا عليهم من السواد الذي عم الأرض والسماء .

يبتسم الكبار في محيا الصغار الذين يصرون على حمل محافظهم وعبور الحواجز العينية والرمزية ببراءة الفراشات وخفة الهواء. تواصل الصمود يحل بين أصابع الجدات المطرزة بالوشم الجريء وهن ينتفضن من غبن القهر والإهانة لكي يعزفن نشيد الأجداد  في محراب الزرابي ونسج الجلابيب لحماية الأبناء من زحف زمن الجمر البارد الذي لا يميز بين الجلد والحديد .

نحن الآن صغار في بداية الرشد الذي ستحتجزه سلطة المنع حتى يتقوس ويكاد يشيخ قبل الآوان ، نمشي خلف الصمت وهو يقود عربة الثورة المسجاة في علم أبيض لنضع الرحال بدون أن نشعر على أرصفة ثانوية أبي القاسم الزياني وقلوبنا تتجمد في عز العمر المعطاء . نخترق الأزقة التي كنسها الخوف ولم يفلح في محو وقار رجالها الذين نستمد من جباههم وعيونهم مغزى البقاء في الظل والتمرس على احتضان الإهانة بابتسامات الأبطال وهم على مشارف الموت.

 إن أرباب الأزقة القديمة في كل المدن العتيقة يفقهون بالتجربة الطويلة كيف يدجنون الغزاة ويعودونهم على حب الفسيفساء وقفاطين النساء واكتشاف أسرار بلاغة الغناء كبلسم لروحهم الشقية التي تهوى القتل لأنها لم تألف كيف تعشق الحياة في وجه حسناء تتأبط جرة في طريقها نحو البحث عن الحياة .

لم يكن مهما السقوط في مكر الفخاخ التي تتفنن سياسة الهدم في إبداع حروفها وتعويد المتعففين على تهجي أبجديتها لكي ينجحوا في امتحان المسخ الذي سيجعلهم يتابعون الأرجل العابرة لسر الليل والتجسس على تملي الظلال بصورة القمر وهو يتوج كحاكم لكل السماء .

إنها تلك الجبال الشاهدة على ماحل بالزرع والبيوت الترابية والبقر الأبيض والأمهات وهن يصلبن عراة على مذبح الوفاء لسلطة نكرة في زمن الرصاص . اليوم وحدها خنيفرة تبني من جماجم مقابرها اسما لتاريخ قد يحرق ما تبقى فيها من جذوة اللهب المضيء للخلجان والتلال التي عبرها ذات يوم جيش التحرير وجيش مقاومة الاستعمار وآخرون حلموا بتحرير البلاد من العبيد والأسياد .

الأهم هو أن تلج قسمك وتجد أستاذك في انتظارك لكي يعلمك كيف أنجز لينين ثورة أكتوبر وكيف انتصر ماو على الإقطاع وصنع معجزة الحكم لصالح الكادحين من أمة أعياها الرق والمرض والوهم والتطلع إلى السماء .سبورة هذا الأستاذ ليست سوداء على غرار سبورات مدارس السلطة المتوجة ، إنها حمراء قانية تغري المظلومين بالنظر بإمعان في تضاريسها التي ترتسم عليها تواريخ الشعوب وملاحم الأمم ومغامرات الرجال الأحرار. إنه أستاذ الجيل السبعيني في مدينتنا الذي لم يخفي جذاذات دروسه لما حل ببيته الزوار واقتادوه إلى حيث يرقد حاملي الحلم الثوري من أبناء زيان وبقاع أخرى من بلاد مغرب السبعين .

 من بيتنا المتهرئ القابع على ربوة تعلالين حي الأطفال الذين أصروا على الذهاب إلى المدرسة رغم أزيز المروحيات وحوافر الأحذية التي لاتعرف نشيدا أمميا أو زغرودة أم تريد بطلا وليس عبدا منكسر الجناح . من هذا البيت وهذه الحارة نصر على المشي بدون اكتراث وكأن ما حل بالمدينة هو مجرد ديكور لفيلم لا تهمنا قصة أبطاله أو هندسة مخرجه ، نظل نمشي نحو أستاذنا الذي لا زال ظله ينتظرنا لكي نملأه بحناجرنا التي ستحل محل بنادق أبطال رحلوا بدون مجد.

كبوة الخيل الحرة في سباق الحياة لا تنتقص من صفاء سلالة دم أطلسي لا يلتفت إلى صوت الرصاص الذي يعوي كذئب جاع تائه في براري جليدية شح غذاؤها وهجرها الريح وغابت عنها شمس الخريف الدافئة.

 

لا يختلف يوم من زمن الرصاص عن سابقيه من الأيام الطوال ، كل حديث الناس لا ينفك عن تعداد عدد الذين أمسك بهم في الليلة الفارطة رعاة سدنة الطاعة والتطويع ، ويتساءلون عن الوجهة التي أخذوا إليها حيث الإعلام ممنوع والسماء مطوقة بعيون لا تراها أبصار الراقدين  في حقيقة تاريخ التمرد والصعود ومقاومة العقبات والمبيت في الممرات وعلى أبواب البراكين في انتظار انفجار جديد .

نتابع ونحن في عز طفولتنا الثانية كيف يصر الرجال الأحياء على نفي الخوف واحتقار الموت اللذان هما سلاح سلطة أخطأت الطريق  وخيل لها أنها ستقتل حب المغامرة في دماء أبناء الجبال الذين لم ولن يزحفوا على بطونهم لكي تحتفل القوة الماكرة بنصر باهت على عنف " بدائي " هو في نظر أهله عنوان الحرية والنفس الأبية والعزة ومفردات أزاحتها برامج مدرسة الثمانينات لكي لا يتعلم جيلها كيف يكون واقفا كالنار على رأس جبل لا يدرك قمته إلا المغامرون بالحياة والمال والسلطة ومقت النوم على عتبات الخليلات ومغازلة مكر الجبناء .

لقد تحول الموت في زمننا هذا الذي نحكي عنه إلى كائن أليف بل وحليف لمشاعر تتوق إلى البقاء في الاستعارات بدل أن تهوي في مزابل الواقع الذليل.

يظل ملعب كرة القدم البلدي يحتفي في عز هذا الحصار بسيقان أبناء هذه المدينة العجيبة. جنباته تغمرها زغاريد نساء البلد لما يقف اللاعب الماهر " خوعقا " على جلد الكرة ليبدو في صورة راقص حبل في سيرك عالمي ، تضاهي خفته شفافية الروح وهي تغازل الحياة هنيهة قبل أن ترحل لكي تتركها جثة هامدة بدون عنوان .

تصر نسوة المدينة على الذهاب إلى حضور مبارة فريق شباب أطلس خنيفرة وهن ملحفاة في أزيائهن البلدية والنقاب يغطي نصف وجوههن طمعا في التمتع قليلا بفرجة جسدية ينجزها شباب أصروا على احترام مواعيد اللعب إلى جانب تقديرهم للحظات الدراسة ومتابعة أخبار الثورة المنتشرة في الجبال .

 إنهن ينسجن درسا آخرا في كيفية البقاء إلى جانب الذرية التي تراوغ الفراغ لتسقط الموت صريع جهله بتضاريس غريبة عن ذكائه الذي لا يفلح سوى في قتل المدن الكبرى وحجز أهلها بين جدران بيوتهم في انتظار أن يكفروا عن خطأ طلب العزة والخلاص .أما أهل السفوح فلهم وصلات تاريخية مع سلطة الضبط وكرم الجبل وظلال الغابات وصمت الكهوف والماء المنتشر في الأحراش والرجولة التي تسكن جذوع الأرز منذ فجر الحياة .

 الكل في هذه اللحظات الحرجة كان يعلم بسر هذا الحضور الأميسي أو الأمومي في ملاعب الرجال وهي الآفاق الرحبة التي تحالف فيها الضحك بالصياح والسب الذي ينبغي أن يستمر في الأفواه ولو في حلبة العراك الاصطناعي.

لما يهل الليل ، تفر المدينة إلى تصريف صمتها في الزوايا المظلمة لبعض الحوانيت القادمة من زمن الفرحة والبساطة والآمان لتضم أنسها إلى أركان " فرنتشيات " الحمامات البلدية التي كانت تسلي عظام المسنين في فجر يوم يغتصب فيه البرد عنفوان الربيع العابر لعمر هؤلاء الذين يدارون اليوم صلابة الأجسام وهي بين فكي  تمساح حديدي قادم من هناك للقبض على بعض الرجال الذين عشقوا السير ليلا بدون حراس .

هناك في زاوية حرة وفي ضيافة جدران بيت حزين وعلى محيط مائدة بثلاثة أرجل ، يصاحبها مجمر يزأر فيه الجمر لينثر أريج الدفء في عروق الحاضرين، يحط الرحال أنين محمد رويشة وهو يتدفق حارا من نبع خلوة روحية لا تحب الضجيج ليخترق جلال زمن الرصاص والحصار ويحرك بأنامل رشيقة عقارب وجدان خنيفري سيتعلم كيف يتدبر زمنه الخاص بدون أرقام وكيف يخلق مكانا للعيش في متخيل جديد بدون كلمات السياسة الخانقة لتلقائية النفس التواقة للهواء ، وكيف يبكي بدون دموع على انتحار نسوره دفعة واحدة وبدون سابق إنذار. لقد منح رويشة لآلته السحرية مهمة إنجاز دراما وجودنا إلى الأبد.

ليل المدينة يؤجل صفاقة الحصار وهو يتسلى باللعب حول قلب فنان نبع سهما مهندا من جوف تربة حمراء شديدة الحياة لا تكف عن تلوين ضفاف نهر أم الربيع بعبق وجودي يحيل المتأمل في صوت هذا المغرم بانتشال مدينته من اليأس والقنوط ، إلى عمق الحنين لتاريخ الباحثين عن السلام والحب والجمال . إنه بلسم عليل لأرواح ضمآء قتلها الانتظار وسطا عليها الرقيب بخبث عيونه التي لا تخجل من التلصص على عورات الرجال وهم في مضاجعهم  وبين أحضان أسرارهم .

إنها تلك الومضات التي تلح على أن تظل الحرية هي الكينونة التي جعلها الخالق مبدأ لهذا الكون وقاعدة لكي تتعايش الكائنات وتستمر الحياة. لا يمكن لمن تمرن على انتشال الحياء من صدر العفة أن يعرف معنى الحرية في مناطق الظل والعيش البسيط.

جلد " أوتار" محمد رويشة يصرخ حدادا وفرحة ، تطهيرا وتمردا ، ألما وإكسيرا ، أملا ويأسا  وذلك كي يمنح الوجود لكائن أسطوري سيملأ الفضاء ويحتل كل مساحات الجرح الإنساني الذي يدمي قلوب أولائك الراقدين في انتظار الخلاص ورحيل الضيف الثقيل الذي تخنق روائحه النتنة عذرية مدينة أطلسية تمسح السماء كل صباح عن وجوه عذاراها غبار ليل تبيت فيه فحولة الحصار تتصيد فرائس من الدم الحرام الذي لن ينزل إلا حمما حارقة لغطرسة فرعونية تكره الكرامة .

مدينة رويشة ساحة مفتوحة على غناء يؤسس للغة جديدة في ساحة عمومية منع أهلها من الكلام سواء بصوتهم أو بصوت السلطة التي تكرههم على البقاء بعيدا عن الحراك السياسي والتطلع الشرعي إلى غد جديد . حاضرة رويشة لا تحب سوى الحرية والجمال والخير ، إنها بهذا المعنى وريثة طبيعية لفلسفة الإغريق التي حرصت على أن يشتغل عقل الإنسان لكي يتجنب النسيان ولايقع في التيهان .

لقد تجرأ "وتر " محمد رويشة أن يرفع صوته عاليا لكي يحرر ساحة المدينة من صوت الرصاص. نبع كعاصفة عاطفية من كل الجهات ودخلت فجأة وبسرعة خيالية إلى دماء كل سكان هذه الربوع دون أن يتمكن الحراس من اعتراض سبيلها للتحري في هويتها ومدى خطورتها لسلطة فشلت في القضاء على ثورة الحب التي ستحل محل ثورة الجبال التي خلدت في ذاكرة جيلنا أسماء لرجال ونساء لم يبحثوا عن المجد بقدر ما كانوا على موعد مع حدث غير متوقع الأبعاد .

لاخوف اليوم من الغناء في الشوارع مع رويشة طائر الحب وعاشق الأمومة وعريس الليالي في بيوت البسطاء وحوانيت المعلمين أصحاب الكلام المقفى والعبارات التي تدل على ما لايعرفه رقيب زمن الرصاص .

صوت رويشة ضامن الخروج من الخوف إلى الفرح ، والعبور من الموت إلى الحياة أو من الوأد إلى النجاة . يفنى الصوت في الوتر والصدح في السمر ويقول الفجر ما لا يقال في نهار العجز والتراخي على أرصفة التكرار وبلادة الاجترار.

يصمت الكلام وينطلق شعر الحداد ليغمر ساحات المدينة وجبالها بآهات المظلومين وحرقة العاشقين الذين طال أمد وصالهم وتحولوا إلى باب لمقابر لا يدخلها سوى القادرين على الفناء في الحب العابر لأزمنة العشاق الذين طردوا من جنات الأنس ليخلدوا في ذاكرة الشعراء ويعيد الفنان خلقهم مرة أخرى في هيأة ملوك بعثوا من تحت رماد الأساطير .

هكذا كان يصنع رويشة أبطاله وهو يرمم بدم أصابعه خلقتهم التي ستكون على صورة وديان من الدموع وبحار من النغمات لا تفتر ولا تقهرأويصيبها الصدأ . إنه مبدع الوجدان الأطلسي الذي سينمو على هدير الرصاص الخافت لكي يدبج لغة جديدة للباحثين عن المعنى خارج منطق سلطة تغتال المثقف بسيوف شياطين الساسة والمال ، وتبيد الفيلسوف برماح الفقيه وتشنق الحكماء بحبال الدهماء .

لقد استوطن الخوف النهار في زمن الرصاص ، لكن الفن حرر الليل بحديث الوجدان الذي لم يكن الرقيب يفقه إشاراته الموغلة في القدم والغارقة في الحلم الجميل منذ الأزل.

رويشة أوحارس الليل من ذئاب الغزو والفتك ، يتلوى في ثوب الألم والجرح وهو ينشد لنا سنفونية الخلود تخرج من بين أضلعه رحيقا صافيا يصل روحنا بدون وسائط أو شرائط أو ساتيليت وليكتب عليها أن الخريف هو الظل الهارب دوما من أناقة الربيع وان القبح عاقر لايلد سوى الخبث والذل والمهانة، أما الجمال الذي أصنعه لكم اليوم رغيفا طريا من أنامل يدي فخذوه ولا تتركوه صيدا رخيصا تلتقطة ضفادع البراكين الآسنة .

 لم يكن رويشة يتحدث بكلام الكبرياء ، بل كان يفضل نحت قوله من حافة جلد وتره وهي مهنة لا يمكن أن يتقنها إلا فنان نادر في زمن الصلب والحديد الأصم .

هكذا انجذب شباب السبعينات من أزقة مدينة خنيفرة ، إلى تفضيل إيصال الكلام بلغة الرمز والكناية  وهو ماكان يضمن لهم تسللا سليما من طوق الحصار والسياسة الرعناء التي كانت تكره الشباب ولا تحب النظر سوى في الوجوه المتهرئة أو التجاعيد الغائرة .

اليوم يحاصر الغناء حصار المنع ليدس خلسة فوق موائد فقراء هذه المدينة الشهيدة طعم حياة جديدة ولو في شكل أبيات شعرية بلغة الأهل يخترقها الحلم ويسكنها الضوء بل ويرتعد منها الشر ولو لبس لبوس الأسود المزيفة.

لقد كنس الغناء الباطني لرويشة لون الرماد عن زنقة وهران والسينما وشارع القذافي كما سماه بعض الثوار في زمن الحب هذا ، ودعاها كي ترتل وراءه أرجوزة عشق الأمومة والأرض والتعلق بالإنسان حتى ولو كان حاكما جائرا.

يلتحق العشاق صباحا بباعة الكاسيت لكي يظفروا بالنادر أو ماتبقى من كلام رويشة في ليل سابق وسهر خارق لعادة النوم في زمن الرصاص.إنها الكلمة الحرة التي كانت تولد في ليل محرر بعاطفة وترية تعتقل عيون السلطة في شكل استلاب يدوم حتى يطلق رويشة صراح جلد وتره لينعم بقليل من الوصال مع أمه التي كانت رمزا خصبا لكل الأمهات المقاتلات في سبيل صناعة رجولة أطلسية بملامح غجرية تهوى الرحيل وتكره البقاء بين الحفر ولا تبحث سوى عن اللحن الفريد والمغامرة التي ترفع إلى السماء والتحرر من عبء الأجساد التي تقيدها السلطة بالسجن والمرض والخوف والطمع والاغتصاب حينما تمعن في التمرد .

لقد احتار المخبرون في قصة هذا الشباب الذي تعلم كيف يغني عن حب مفقود بدل البكاء على ثورة مجهضة وتغيير موءود. وفهمت سلطة المسخ أن الوتر لايصلح لكي يقيم في زانزنها العطنة ولا يلائم حشرجات صوت زبانيتها المثخن بالكحول والسجائر وقهقهات الهلوسات على مرأى من الأجساد المستباحة عندما غاب الرجال في قنوات الصرف الصحي والدهاليز السوداء .

يستمر رويشة في نسج دراما مدينة أكلها مطاردوا الثوار ، وقصم ظهرها حديد سلطة بالغت في تجريب الرعب واختبار التطويع ، واختارت أن تنازل التمرد عند سفح جبل أقلال الذي كتب لنا أن نكون من قاطنيه ومحبيه .

كنبري رويشة يكتب بالأنين والشجى ما سيشكل فيما بعد الهدير هوية وجدانية لذات أطلسية منفلتة على الدوام من حزام الحصار وعنوان مدينة غرقت في أنفتها حتى الثمالة .

 في عز العراء والضياع يتربع الغناء الجريح لمحمد رويشة على صهوة بطولة أسطورية تعاند لكي تفلت من النسيان. لا يمر يوم دون أن تحكي الألسن عن هذا الخليط العجيب بين السياسة الكاسحة والغناء المرمم لأجساد البسطاء الذين تعلموا كيف يصنعوا تاريخا خاصا بهم تؤثثه قيم العفة والزهد وكراهية البذخ والامتلاك المفرط للأشياء .

 ننحني لنراجع دروسنا في ليالي الشتاء الطويل دون أن يفارقنا صوت رويشة الصغير المنبعث من تلك الآلة الجديدة التي تحتفظ بالصوت بعد تسجيله على الشريط الممغنط وهي إبداع علمي سيسمح لنا بأن نحمل معنا دوما هذا الفنان الذي عرف كيف يخلصنا من جروحنا ويفتح أمام أعيننا آفاقا أخرى لقول الحقيقة دون المرور من الجبال والرصاص والبكاء والرحيل عبر بوابات السجون والمنافي الباردة .

محمد رويشة واحد من هؤلاء الفتية الذين خرجوا إلى الحياة من دروب اليتم وقساوة المعيش التي تطبع الحياة في جبال الأطلس الراقد في كبرياء صوفية ، وذلك لكي يتدبر وجيلنا بصحبته حيلة للبقاء على سطح أساطيرنا القديمة داخل لغة أمنا التي لانعرف البكاء بدونها ولا يستقيم الفرح إلا في أنساقها ومجازاتها الأنيقة .

 تستمر آلة القمع في تنظيف الدروب من لغة العناد ويختار " الوتر " ابتكار لغة جديدة ظاهرها الفرح وباطنها الألم وأفقها الحرية والفناء في جلال الطرب الفسيح. رويشة هو سفر من كابوس الظلم إلى حلم الكرامة. هو طريق  روحي يقل الجريح من الانكسار على خيانة حبيب أو مكر ثورة إلى الارتواء من خصوبة فن سليل النخل والزيتون والتين والورود والحقول الطافحة بأغاني الرعاة وعابري المنعرجات تحت ظلال أشجار باسقة يسقيها رذاذ سماوي لم تلوثه أيادي البخل والمكر والنصب والاحتيال على الصفاء الطبيعي للإنسان .

كانت أم كلثوم تحضر في هذا الزمن الكئيب وهي فراشة مصرية راحلة من النيل لتحط الرحال على ضفاف نهر أم الربيع ، إنها صنو لروح طربنا وتتويج لبلاغة جرحنا ونحن مراهقين نتابع مغامرات أفلام رعاة البقر على شاشة سينما الأطلس . يفضل صاحب القاعة أن يتحفنا بين العرض الأول والثاني بمطولة لأم كلثوم التي كانت تأتينا كقديسة تتقن فن الإنصات إلى صوت الجراح الذي ينبعث من جوف المنكسرين على خلفية حلم بثورة أو بغد أفضل لن تراه عيون الذين سقطوا وهم يداعبون حلم الخروج من الأسى للاحتفال بالنصر وهزم الماضي الثقيل .

آهات أم كلثوم باحة استراحة للمقاتلين الذين لم يبق لهم سوى الإمساك ببنادق فارغة واحتضان جثت الرفاق وهي قائمة تصلي في محراب التضحية والخلود .في مدينتنا يستضيف الليل هذه المهاجرة من أرض غرقت هي أيضا في ضياع حلمها بمجد وعدت به ثورة الناصر دون أن تقدمه خبزا في أيدي الجياع أو ورودا في أيدي العشاق.

أم كلثوم بنت البرودة التاريخية والجغرافية المفتتة والصحاري التي تختزن أسرار ملوك الفراعنة الذين قيل إنهن نافسوا الآلهة وحكم عليهم بالموت الأبدي في أكفان لم يمسسها زمن ولم تأكلها أرضة.

نمسكك بقطعة خبز محشوة بقليل من سائل " الحرور " الذي يزودنا به" بورويس "رحمه الله خلال الفترة الفاصلة بين الفيلم الأول والثاني ، وهو الرجل الذي كان ينتظرنا في حانوته القديم والمليء بكل الأشياء من بينها " الحرور " الذي كنا نفضل تناوله مقابل نصف درهم تحت سقيفته المتربة ونحن نلقي السمع إلى أنين هذه المصرية الفاتنة وهي ترتل ملحمة الصعود في الروح بعدما خر الجسد صريع الموت .

هكذا نظل نترقب متى نعود إلى كراسي الفرجة للتملي بالعرض الثاني في انتظار أن ينقضي ليلنا الذي لا يطرد رعبه سوى أصوات هؤلاء المبدعين الذين عرفوا كيف يخرجوا من الإحباط متتاليات من العشق والسمو قلما نجدلها مثيلا إلا لدى الشعوب التي تحلم أكثر بعدالة سماوية يستحيل تحقيقها على أرض الشرور الإنسانية .

 لقد دخلت أم كلثوم في حزن "وترنا " ووجدت في ورطتنا الأرض البكر لإعادة إنتاج الفاجعة والكائن الجريح.

لا مفر من دخول الحزن من فوهته المخيفة حتى ولو كانت المناسبة عيدا أو عرسا أو نجاحا في الامتحان، يظل غناؤنا هو دوما حداد على فراق شيء ما أو حزنا على رحيل ألفة وغياب لوجه عزيز لا يمكن تحديد طلعته بوضوح. غناء وتر فناننارويشة في مناسبات فرحنا هو حضور للجرح الذي يسكننا وللألم الذي لا يتركنا إلا لما نسلم قلوبنا لليل يكون نحيب الوتر هو سيده على الإطلاق .

فرحنا الحزين الذي يتحدث عنه وتر رويشة هو عنوان ضياع ذاتنا في سياسة قذرة بليدة لا تقوى على فهم لغة العواطف  لأنها تكره الإقامة في القلوب وتفضل حناجر المتكبرين والخطباء المغرورين ببلاغة السجع ونحو الكذب على الله والبشرية جمعاء. إنها الوجه المكشوف لصوت مبحوح وفم مفتوح على كلام يخرج السم مدسوسا في جبة العسل للنصب على البسطاء واللعب على نار الشهامة التي تقطن ذوات رجال الجبال والوديان والفجاج وهي الفضيلة التي لا تعرف طريق المدن الصدئة .

السياسة التي يبددها وتر رويشة في زمن الحصار الذي أغرق غاباتنا في صياح " الحياحة " الذين تم تجنيدهم للبحث عن أحد هؤلاء الذين خرجوا من سفح الجبل لطرد فرنسا وتخليص البلاد من الذل والقصور لكنه وجد نفسه فجأة يتوسل مصيره لدى من أصبحوا سادة في عهد الاستقلال وهم الخونة الذين كانوا يدلون جند العدو على مخابئ ومغاور جيش التحرير . لقد وجد صاحبنا أن اللعبة فاسدة وقرر هو وصحبه من رجال القمم أن يصعدوا الأحراش ويعلنوها ثورة على الغدر والخيانة والمسخ . 

السياسة التي تحول الفأر إلى أسد والرجل إلى قن هي التي تركناها لكي نعيد تشكيل الإنسان بالوجدان عبر بوابة الفن الأصيل . كنا تلك الآذان التي تبني مع أصابع محمد رويشة كائنا جديدا لكنه سيظل جريحا مادام حبه للحرية حق يأبى النسيان .

لقد أسس رويشة فنيا لهوية درامية لجيل من أبناء الأطلس الذين خبروا اندحار تمرد لم ينطلق بعد .

رويشة لا يحب السياسة ولا ينتمي سوى لبلدة ووطن يكره أهله الأقحاح العنف والسرقة والظلم وينعمون بتقديس الأم والأرض والتاريخ ورجال الصلاح والأبطال الذين لا يحبون النجومية أو ركوب السلطة بعد الانتصار . إنه جلدتنا المحترقة من جراء قربها من شمس الكرامة ، وصوتنا الذبيح على جغرافية القسوة والإهمال التي تميز تضاريس أحيائنا وقبائلنا ودواويرنا ووجوه نسائنا وهن يقطعن المسافات حاملات لأكوام من الحطب والأوزار دون أن يتنازلن عن إيبائهن وهن يقلن الحقيقة جهرا ودون مساحيق .

زمن رصاصنا كان له طعم خاص ، عشناه بكل جوارحنا ، كان منا لذلك عاملناه كضيف ضروري حتى نتعلم منه كيف نستمر في الوقوف والغناء في وجه الظلم والقبح ، وكيف نحب بعضنا بعضا إلى درجة الانصهار  في جرح واحد يدل على هوية مشتركة لكائن الألم والباحث دوما عن العودة إلى تسلق الوعورة والموت على قمم الجبال .

نختصر معاناتنا ونحن نتسلى بحلاوة "براد" شاي أطلسي منعنع بجذور تربة تختزن الحب والصدق وصمت السنين، ونتمايل على شكل ابتسامات هادئة لما يمر تيار التدمير والتزوير ، ونقع عل قفانا ونحن ندرك فداحة رمزية نكتنا التي تعطي الحياة لذكاء سياسي مغربي لا يظهر صادما بقدر ما يتسلل محتشما لأنه كريم ولا يحب الوقاحة التي تطبع على جبين ساسة مدننا الكبيرة سحنة الموت الأخلاقي الذي يسبق فلسفيا الموت السياسي .

هم البسطاء والفقراء الذين ساروا وراء جثمان والدة محمد رويشة إلى مثواها الأخير ، إنهم أبناء هذه الهوية الشفافة التي تدرك أن الأمومة الصادقة تصنع رجالا من ذهب في أزمنة السقوط . يدرك رويشة أنه فنان هؤلاء الذين يحملونه اليوم في قلوبهم كسر يخفي قوة باطنية لا يقهرها البؤس الاجتماعي أو الكساد السياسي .

لقد كان رويشة رفيق بدون أن يشعر لكثير من المنفيين والمغتربين والمنبوذين والمهاجرين والذين فقدوا هوياتهم بعدما خرجوا اضطرارا للبحث عن أفق جديد في حياة الاستقلال . صاحب الجراح والإخفاقات والمرض والإفلاس وظل يغني في ليالي الهزائم والهجران . الأحبة والعشاق والأصدقاء يعرفون أنه علمهم كيف يصلون إلى عمق قلوبهم وكيف يسبحون في ظلام نفوسهم لكي يمسكوا بتلك الجوهرة المضيئة في أعماقهم والتي لن تنال منها ضربات الزمن أو السلطة أو السقوط في تجربة الحياة المادية.

 رويشة يعرف عشاقه جيدا لهذا كان يعلمهم كيف يكبرون في نعيم العفة الفنية والصحوة الصوفية التي تسكن أصابعه والتي تخرج نغما فريدا ينحني له نسيم الأطلس وهو يزحف خلسة لكي يمنح سنابل الفقراء من فلاحي البلدة طراوة لا يفسدها زمن ولا يلوثها عبور الرياح أو حتى عواصف العولمة التي اخترقت أجواءنا ونحن في عز العض بالنواجذ على ذواتنا الجريحة.

 لا ينال الفنان المجد إلا عندما يصبح هو ونبض أهله يعزفان إيقاعا نفسيا واحدا. الفنان الصادق لا يجامل الأذواق ولا يصطنع البكاء ، إنه الصوت الحقيقي للنزيف الذي يغرق مدينة بكاملها في حفل تراجيدي يمتزج فيه الحب بالثورة  والحنين بالهجرة والعنف بالسخرية في إبداع جمالي لا يعرف الميلاد إلا في المجتمعات الاستثنائية .

يحل الربيع غير آبه بما خلفه زمن الصقيع من برودة ناتئة كالسهام التي من فرط حدتها تشققت لها صدور الأحجار البازالتية التي تخفي جبال مدينة خنيفرة من لعنات الرعود والعواصف. يسدل هذا الفصل الفحل ستاره البديع على كل الحقول لكي يمنح الفرح للأطفال والأمهات ويفتح لهم قلبه وجناته بالمجان. إنها سنفونية النحل والغناء والعذارى وكؤوس الشاي وتماوايت رفيقة الطريق في عز الوحدانية وطول المسافة بين العشق والوصال.

يتأبط طفل تعلالين وتره الصغير ويصعد جبل " باموسى " ليختلي بنفسه ويستعيد تجربة محمد رويشة وهو يغرق في حقول السنابل الفارعة ، لعله ينسى الجرح والتمرد الذي يقترن في متخيله البدائي بتسلق الوعورة التي تمثل درسنا الأول في تعلم فنون الحب والحرب .

أحيدوس لغة الربيع وإشراقة الأقحوان لم يمته زمن الرصاص. إنه النبع الصافي الذي يمد رويشة وأصحابه بشرعية البقاء وقوة الحضور كعلامة مميزة لفرح أطلسي يكره العنف ولا ينجذب سوى للجمال والعمل . يخرج رجال الجبال للرقص كالفراشات على مصابيح ليل صيفي عفيف . لا يقولون إلا الحب ولا يريدون سوى انتصاره على الخوف والرعب والدمار. إنهم أجسام تدب فيها حياة خاصة لا تشبهها سوى دوران النحل حول رحيق الحياة.

يتبدد حضور السلطة المراقبة للمجال خوفا من عودة المقاوم الذي رفض الذل وصعد الجبل وجاءته جحافل من الجيوش لترسخ في ذاكرة جيلنا فكرة يد السلطة التي بإمكانها أن تطير لتمسك بجناح فراشة وهي تهم بالخروج من يرقانها.

نختلس لحظة من الدراسة لنتيه في الحقول المجاورة لثانوية أبي القاسم الزياني لنتمرن ونتذكر أننا نتقن غواية رقصة أحيدوس ،فلا نفتأ أن نجد أجسامنا وهي تتمايل تلقائيا لتنصهر مع نسائم هذا الفصل البهيج حيث تغذوا الدفاتر هي البنادير التي تطرد دروس التاريخ المزيف والجغرافية الموءودة لتؤدي وظيفة الصدح والجهر بالحقيقة التي لا تعرف مدرستنا أن أحيدوس يقودنا لها بدون لف أو دوران ..

تصاب حركاتنا بالدلل والنخوة عندما تتوسطها أجساد فتيات رفيقات الدراسة واللغة والحنين ، يأخذن مكانهن بين أكتافنا في شكل طلب حماية واختفاء عن الأنظار التي ترى في كل احتكاك بين الرجل والمرأة سقوط في خطيئة أجدادهم الذين ليسوا أجدادنا وفي غواية عيونهم التي لا تعرف الصنوبر والأرز والماء المتدفق مدرارا بين الجبال والحب المنتصب تحت الخيام والغناء الذي يؤثث كل الروح من الحياة حتى الموت .

أحيدوس هو "بالي" مغربي أصيل يؤرخ باستمرار لتلك الوحدة الخالدة بين ذكورة مؤنثة وأنوثة مذكرة لا يفهمها غير الربيع والماء وشعراء الكائنات الجريحة التي وضع رويشة سرها بين أضلع وتره الذي سيخفيها نغما بين أصابعه وهي تستنشق عطر الأمومة المنتحرة من أجل رجولة  منتفضة ضد الخبث والقبح والشر الذي يعتقل الأنوثة في قفص الحرام ليسمح للسلطة المتكبرة بأن تقتل الفرح في صوت الأطفال الذين يلعبون بأنوثتهم وذكورتهم كما يلعبون بلعب لا أسماء لها .

الفرح عنوان لحزن جميل يجثو بمجده على وتر رويشة وهو شاب يحضر فينا في كل آن . رويشة هو الظل المتمرد على الكيان الممسوخ والنبع الطري لأسرار غير لونها التمدن الأعرج وأحابيل السياسة الصفراء .

ندخل في جوف وتر رويشة لنسافر عبر اهتزازات أوتاره ونغيب في صوته الشجي ولا نعود إلا بعدما نسكر بإنسانية دفينة هذا القلب العاشق للأم والإنسان والطبيعة.

لقد التحم الأمل والألم والأنين والضحك في زمن رصاصنا الذي عرف "وتر " فناننا كيف يؤنسنه ويروضه لكي يخرجه خلقا آخر.

بالفن تعلمنا كيف نتخلص من الحقد ونسامح الجلاد ونصفح عن الغاصب. السياسة الماكرة لا يهزمها سوى جرأة الفن الصادق والإبداع الحر والمستقل، والعاطفة السامية. هكذا كان رويشة يصيح في الناس  بأن يصعدوا مدارج الروح بعدما جربوا الجبل ووعورة الطريق. لقد فتح لنا هذا الفنان طريقا آخرا للخروج من الورطة والتيهان في ماتركه الحصار من بقع لا تسع سوى لمن كان قلبه أعمق من المحيط وأفسح من الحلم .

يذبل جسدنا ونحن نسير على جنبات الطريق تجنبا لكي لا نصطدم بنظرات الرقيب الذي لا يحب أن يرانا منتصبين كشجر الأرز الذي كتب له أن يرافقنا منذ الأزل ليتطوع من أجل تعليمنا كيف نصير أصلب من الموت وأبطش من الخريف. بقدر ماكانت تضيع أجسامنا في عيون كبرياء سلطة مغرمة بالتملي بوجوه العبيد ، بقدر ما تكبر فينا نوازع الأنفة التي نسمح لها بأن تركب أجنحة أزيز ضربات أنامل رويشة لتحلق وتطير تاركة للعين المتجسسة على الرجولة مايشبه هياكل آدمية في حطام حرب العفة والقذارة .

لقد علمنا زمن الرصاص في قرانا النائية أن الجسد الذي لا يموت لا يترك للقلب النابض بالحياة فرصة التملي بأفق الخلود.

الفن الذي لايعلم الناس حيل التملص من الخوف هو مجرد كذب باهت لا يصدق نهيقه الفاتر سوى القوم المهووسين بشهوات البطن والفرج والسجود على أعتاب السلطة المتوجة .

في زمن الرصاص لم يكن المهم أن تبق على قيد الحياة بل كان الواجب هو أن تراوغ الموت وتحافظ على ماء الوجه في زقاق كل ساكنيه تحولوا فجأة إلى بائعي هوى وقوادين ومخبرين ومتخصصين في صناعة المشانق للأحرار. الفن في هذه الحالة سيكون هو القوة السحرية التي تفسد حفل الأسياد وهم يجولون في دروب التعهر والنذالة وقلة المروءة .هو يد المقاوم الذي يفكك التكرار والتنميط ويحول دون أن يطال صدأ السياسة الماكرة قلوب الحالمين بيوم لا وجود فيه للعبيد والأسياد.

 يقول رويشة كلمته عندما يجتاحه حال خاص لا يمكن أن يسكنه إلا في حضرة سياق زماني وجلال مكاني يؤثثه حضور البساطة والعفوية التي تعكسها وجوه الأصدقاء التي تشبه بحيرة أكلمام أزكزا في صفائها وحدائق " جن ألماس " في عذريتها وصمت الجبال في خلقها ، لكي تنطلق وصلات العراك بين الأنامل الرشيقة والأوتار الرنانة حيث سيتحول الجو تدريجيا إلى مايشبه عاصفة حقيقية من الحب الذي يقاوم النوم ويصر على السهر الذي يبعد الشروق خوفا من انبلاج نهار التكرار والفاجعة والكائن الجريح .

 يعاتب رويشة مدينته في زمن الجمر هذا ، وهي" الخائنة" التي قررت أن تطرد أبناءها من رحمها لتستقبل بالأحضان الغرباء. يستمر رويشة في توجيه هذا اللوم كلما حل الليل وخارت عيون رقيب النهار الذي كان بليدا لأنه يفتقد آليات فهم بلاغة الصور والاستعارات التي تخفي فيها لغة البلد أسرارها الفاتنة .

 لقد تباهى جيل السبعينات مع هذا الاستنكار الفظيع الذي يدين هذا الأم التي تهجر أبناءها لكي تتوج الغرباء أمراء على عروشها المتهرئة. إنها لحظة خروجنا من مدينتنا ورحيلنا صوب " مدينة ظهر المهراز " بحثا عن العلم والثورة في ساحة جامعية متمردة اتسع مجالها لكل أبناء الفقراء القادمين من الأطلس والصحراء والشرق والريف لكي يحلموا بين جدرانها بثورة ممكنة بعدما يئست القبيلة من غرس شجرتها المباركة على أعلى قمة أطلسية .

 ندخل الحرم الجامعي ونحن مثخنين بجراح البلد الأصيل ونجوب المدرجات والمسالك و نتأمل الخطابات والتحاليل التي كانت تفنى ليلا في عشق طلابي بين الذكور والإناث من الرفاق الذين يستمرون مثلنا في نسج ليل الحكايات بعيدا عن عيون الرقباء التي تملأ النهار بفضاضة ممجوجة عند شباب السبعينات .

لكن أشرطة أغاني رويشة تعاند الرحيل لتحتفظ بمكان لها بين أمتعتنا المتواضعة التي حملناها معنا من أحيائنا الآيلة للسقوط  ننام على هديرها ونستفيق على حنين العودة إلى العقبات والوعورة التي تركناها هناك في ذاكرة عشق الليل في زمن الرصاص .لقد وجد رويشة حلفاؤه في مقصف الحي الجامعي ، وعثر جيلنا على فن ثائر قادم من المشرق يغني للكرامة والأرض ويحث الشباب على العمل والاستقامة وفهم أسرار معارك الفجر. هكذا سيدخل مارسيل خليفة والشيخ إمام في سجل جراحنا وسيندغم الأطلس في أرز لبنان ويقع النيل في شراك حب النخيل المغربي ، وتنطلق الزغرودة الحرة من حنجرة أم معتقل أو مختفي من جبال الأطلس الكبير لكي تنفجر شعرا لدرويش وطربا رائعا لفيروز . لقد شبعنا الألم والفرح في ظهر المهراز ونحن الذين كنا نعتقد أننا وحدنا في العذاب .

لقد خرجنا من سياق الصمت والحصار ومن بين أنياب التماسيح وقفزنا وراء المتاريس عندما حصلنا على باكلوريا في عز القمع والإقصاء . إننا جيل الإفلاس السياسي وأبناء الأزمات وكائنات خربها التجريب المتتالي للإصلاحات التي تعادي الفقراء وترسم الحلول للأغنياء والأكواخ للتعساء .

 لقد علمنا الفن في بلدتنا ونحن نرافق سفر الحلم العاطفي مع رويشة كيف نصر على الضحك والغناء وسرقة شهادة جامعية لعلها تدخل قليلا من الدفء على قلوب الآباء الذين تركناهم يتدبرون الورطة الوجودية التي فرضها عليهم حصار سلطة تخاف من البساطة وتخشى التواضع .

 لكن ما كان يجهله الرفاق القاطنون في قلعة ظهر المهراز هو أننا جئنا من حيث انتهت الثورة لكي نعانق شبابا يحلمون بها في كتب المفكرين ومؤلفات المنظرين من مهدي عامل وحسين مروة وماركس ولينين وروزا الكسنبورغ وبن بركة وكل الأسماء التي احتلت المخيال السياسي لجيلنا .

لا يستوي من عاش الحرب مع من سمع عنها أو قرأ المؤلفات التي كتبت حولها. كما لا يستو من خبر المحن مع من اكتشفها في الروايات أو تابع أحداثها على شاشات السينما والمسارح. نلملم أسرارنا ونخفي حزننا ونحرص على أن لانفارق الغناء والسفر إلى خنيفرة لترسيخ الوصال مع صوت رويشة الذي بدأ صداه يغادر المدينة ليحط الرحال على خشبة مسرح محمد الخامس ونحن وقتها بصدد الخروج من ظهر المهراز للانخراط في الحياة المهنية . وتلك قصة أخرى في مسار الحب والسياسة والفن.

                                                                                                           عبدالإله حبيبي




تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

1- الايميل الخاص بكاتبه عبدالإله حبيبي

mohamed bouhari

منذ مدة لم اقرأ نصا بهذه القوة.
ابحث عن الايميل الخاص بكاتبه عبدالإله حبيبي إن أمكن.
وشكرا.
mohamedbouhari@yahoo.fr








في 11 أكتوبر 2013 الساعة 02 : 07

أبلغ عن تعليق غير لائق


2- قمة الروعة و الادب

omar

لم اقرا في حياتي مقالا بهده القوة و الروعة في الغة فهنيئا لك برافو

في 23 أكتوبر 2013 الساعة 47 : 14

أبلغ عن تعليق غير لائق


هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



الانتهاء من تصنيع أحدث جهاز رصد للضوء في عمق الفضاء

اعتصام وإضراب عن الطعام أمام “المجلس الوطني لحقوق الإنسان”

إصابة أربع نساء بجروح متفاوتة الخطورة في تدخل أمني عنيف في مسيرة سلمية تطالب برحيل رئيس الجماعة بإ ي

إحتفالا باليوم العالمي لحرية الصحافة جمعية الأعالي للصحافة بأزيلال تدعو إلى مكتسبات جديدة في حرية ال

مدينة خنيفرة النسخة الثانية من مهرجانها الوطني الثاني للقصة القصيرة تحت شعار " الميتا قصة في القصة

رويشة أو عاصفة الحب في زمن الرصاص

وكالة التنمية الاجتماعية قدمت 30 مليون درهم لدعم مشاريع وبرامح التنمية الاجتماعية في جهة تادلا ازي

بني ملال : إسدال الستار على الملتقى العلمي الثالث حول "الهوية بين الخصوصية والعالمية "

إلى المناضل الانسان محمد بنراضي مـَازِلـْتَ حـَيـٌا

الباحث عزالدين خمريش دكتورابميزة مشرف جدا في موضوع " الإدارة وتدبير القضايا الوطنية الكبرى : المجل

رويشة أو عاصفة الحب في زمن الرصاص