أضيف في 8 ماي 2014 الساعة 14:13


الرؤية الجدلية إلى الحياة والموت عند محمود درويش: قصيدة ’’الأرض‘‘ نموذجا


- رفيق جبيهة -


 

تعتبر هذه القصيدة الفك الفني الجمالي الفوقي للوحدة  الصراعية المادية المشكلة من طرفين (عناصر الحياة –عناصر الموت )وتجسيدا لسلامة تصور فكر الطبقة العاملة لوظيفة الفن في معمعان الصراع الطبقي باعتبار الفن شكلا إيديولوجيا وجبهة مهمة لخوض الصراع ضد قوى القديم الرجعية, فعلى فننا وأدبنا الثوريان أن يسيرا مع نضالنا الثوري جنبا إلى جنب لقهر أعدائنا بقلب واحد وإرادة واحدة مصداقا لقول الابن البار بالبشرية ومفخرة الإنسانية معلم الطبقة العاملة الخالد الرفيق لينين "على الفن أن يخدم الملايين وعشرات الملايين من الشعب الكادح". 

فكيف فك (درويش )هذا التناقض القائم بين عناصر الحياة والموت في هذه القصيدة؟

وكيف يتشكل المعنى في شعره؟وما هي خصوصيته؟

 

I.المضمون:

"في شهر آذار، في سنة الانتفاضة، قالت لنا الأرضُ أسرارها الدموية. في شهر آذار مرّت أمام البنفسج والبندقيّة خمس بنات."

يفتتح الشاعر هذا المقطع بالتأطير الزمني لمذبحة رهيبة ارتكبها الكيان الصهيوني في حق خمس بنات كن في طريقهن إلى المدرسة.

الزمن هو شهر آذار,إلا ان هذا الأخير ليس هو آذار العادي الذي نعرف ,بل هو شهر من شهور الانتفاضة التي تنفرد بقوانينها الخاصة حيث كل شيء فيها متميز وغير عادي فالأرض في سنة الانتفاضة ارض مفارقة ,تتكلم لغة الدم وليس لغتنا العادية.

افتتحت القصيدة بحركة الحياة وهذا ما كشف عنه السطر الاول الذي يبرز ان الحياة تنبع من الارض المرتجة والمضطربة المنتفضة خصوبة ,ويتعزز مبدا ابتداء الحياة من الارض بقول الشاعر:"قالت لنا الارض أسرارها الدموية"فالكلام ينطلق من الداخل متمظهرا في صورة نطق ,كذلك الخصب ياتي من الداخل من باطن الارض بتاثير من الإنسان الفلسطيني الذي أدرك قوانين الأرض أي المجتمع وحولها لصالحه .إن الإنسان هو صانع التاريخ ,صانع الانتفاضة ,يصير دمه وقودا للارض ,كي تخصب ,كي تنتفض من الداخل كاشفة سرها الدموي الذي سبق له ان ناجاها به .

"في شهر آذار، في سنة الإنتفاضة، قالت لنا الأرضُ أسرارها الدموية. في شهر آذار مرّت أمام البنفسج والبندقيّة خمس بنات. وقفن على باب مدرسة إبتدائية، واشتعلن مع الورد والزعتر البلديّ. افتتحن نشيد التراب. دخلن العناق النهائي – آذار يأتي إلى الأرض من باطن الأرض يأتي، ومن رقصة الفتيات – البنفسج مال قليلاً ليعبر صوت البنات. العصافيرُ مدّت مناقيرها في اتّجاه النشيد وقلبي."

استعمل الشاعر فعل (مر) ليصف حركة البنات السريعة تجاه المدرسة ,ومرورهن بسرعة أمام البنفسج يوحي بان عنصرا ضد الحياة كان يهددهن.

البنفسج←(الحياة) ↔البندقية ←(الموت)

نلاحظ ان الحياة والموت مرتبطان في وحدة صراعية ,تطلعنا على تصور درويش الجدلي للحياة والموت,وبتعبير أدق تطلعنا على تصور القوى المحركة للتاريخ للحياة با عتبار الديالكتيك منهجها في التفكير.

البندقية إذا,طرف في التناقض فهي في السياق تشير الى الموت في حين يمثل البنفسج الطرف الآخر وهو حسب السياق ايضا يشير الى الحياة.

الصراع بين النقيضين يحل في شكل حياة جديدة ,لذلك افتتح الشاعر الجملة الواردة في السطر الثاني بكلمة (آذار)والحق بها كلمة (بنفسج).

آذار ←(الحياة)+بنفسج←(الحياة)+بندقية←(الموت)˭الحياة↔الموت.

يظل الإنسان حيا بفضل هذا التناقض ,بل هو نتاج لهذا التناقض.

فكأن آذار+بنفسج+بندقية˭خمس بنات.


إن حركة التناقض موجهة لخدمة الإنسان,لإنتاج الإنسان ,فالبنات يشتعلن مع الورد والزعتر البلدي لافتتاح نشيد التراب ,تستشهد البنات لتخصبن الحياة,فيصبح الخصب الذي يأتي من باطن الارض ,نتاجا لفعل انساني,حيث ياتي من رقصة الفتيات اللواتي ترقصن مستشعرات الخصب ,ويميل البنفسج احتراما لبراءتهن فاسحا الطريق لعبور أصواتهن . 

تمد العصافير مناقيرها في اتجاه نشيد الخصوبة والتجدد,وفي اتجاه قلب الشاعر الإنسان الذي يرمز إلى الحياة  ,كما تتماهى الارض بالانسان فيصيران شيئا واحدا لا يفصل بينهما فاصل حتى ولو كان كافا باعتباره اداة من ادوات التشبيه دلالة على التطابق والتوحد بين الأرض والإنسان.

"أنا الأرض
والأرض أنت
خديجةُ! لا تغلقي الباب
لا تدخلي في الغياب
سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل
سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل
سنطردهم من هواء الجليل.
وفي شهر آذار، مرّت أمام البنفسج والبندقيّة خمس بناتٍ. سقطن على باب مدرسةٍ إبتدائيةٍ. للطباشير فوق الأصابع لونُ العصافيرِ. في شهر آذار قالت لنا الأرض أسرارها."

 

يدعو الشاعر المرأة الفلسطينية إلى الإقبال على الحياة ,باعتبارها رمزا للخصب وعدم اعتقال الفرحة (الحضور ),لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا :لماذا تريد خديجة إغلاق الباب والدخول في الغياب؟

الجواب هو لان عنصرا يناصر الموت بل هو الموت نفسه يترصد الحياة (خديجة).انه المحتل الذي يحيل ضمير الغائب الجمع(هم) في الفعل (نطرد) ,ذلك الطفيلي الذي بات حاضرا في كل شيء وفي كل مكان,الا ان التصور الجدلي يقتضي النظر الى هذا الطفيلي باعتباره طرفا اساسيا في التناقض ,فهو الذي يدفع  بالفلسطيني للنضال من اجل حياة حرة .

يعيد درويش اللازمة الا ان الجديد فيها هو استبداله لفعل السقوط " سقطن على باب مدرسةٍ إبتدائيةٍ" بفعل الوقوف" وقفن على باب مدرسة إبتدائية"لنحصل على هذه الصيغة:آذار←(الحياة)+البنفسج←(الحياة)+البندقية←(الموت)+خمس بنات←(الحياة)+تسقطن←(الموت)+مدرسة ←(الحياة)

 

سقطت البنات .اخصبت الارض.

لقد اختتم الشاعر المقطع بانتصار الحياة ,بانتصار الارض,بانتصار الانسان ان التصور الجدلي لايرى في الموت انتفاء للحياة بل يرى فيه منبعا لها.

 

II.الشكل:

لا مراء في كون علاقة الشكل بالمضمون علاقة جدلية قائمة على التفاعل بينهما .ان هذا التاكيد يتوقع اعتراض النقاد البرجوازيين على الادب والفن الذي انتج في ظروف تاريخية في بلدان الاشتراكية ,وهو مطروح مستقبلا على الادب والفن الثوريان ,ومفاد هذا الاعتراض هو احتفاء الكتاب الاشتراكيين بالمضمون دون الشكل الشيء الذي يكشف بوضوح خلفية هذا الاعتراض المغرض ,ويكشف عن جهل هؤلاء بابجديات الجدل ,ولذلك سنسلط الضوء على علاقة الشكل بالمضمون في هذه القصيدة من منظور جدلي نسقط به ورق التوت عن عورة هؤلاء القوم.


- الايقاع:

اختار درويش تفعيلة "فاعلن "اطارا وزنيا للمقطع الاول مما اضفى عليه طابعا انسيابيا جعل الاسطر الشعرية تتسارع بالتاكيد على معنى المقطع ,وتعضيد الرؤية الجدلية للحياة والموت,فتفعيلة فاعلن " ̶ Ο ̶    ̶̶̶̶  Ο " هي وحدة صراعية متالفة من الحركة والسكون ,والملاحظة تشير الى هيمنة المتحرك على الساكن ,والمتحرك هنا يرمز الى الحياة, بينما يرمز الساكن الى الموت.وبذلك يصير الايقاع في القصيدة انعكاسا لإيقاع موضوعي مادي ناتج عن الوحدة الصراعية بين عناصر (الحياة والموت)في الواقع الفلسطيني ,ايقاع يساهم فيه الخط الكفاحي في حركة التحرر الوطني الفلسطينية,تحدثه الجماهير الشعبية الصانعة للتاريخ .

-الصورة الشعرية:

يضم المقطع الاول مجموعة من الصور الشعرية التي تعضد التصور الجدلي باعتبارها فكا للتناقض القائم بين عناصر الحياة والموت .وسنعمل في تحليلها جدليا على فضح التصور النقدي البرجوازي للصورة الشعرية.

أ.الصورة الاستعارية:

"قالت لنا الارض اسرارها الدموية"

يعرف النقاد البرجوازيون الاستعارة ب"التشبيه الذي حذف أحد طرفيه" وهو حذف ميكانيكي كما يبدو, أما نحن الماديون الدياليكتيكيون , فلا نرى بأنه نفي ميكانيكي لأحد الطرفين ,بل نرى انه إزاحة تقوم على وحدة القطع والاستمرار, اذ يتم نفي طرف مع الاحتفاظ به في الان نفسه ,فالارض نفت الانسان واحتوته في آن من خلال ظهورها بمظهر انساني (القول).إن الشاعر في هذه الصورة يوحد بين الإنسان والأرض توحيدا جدليا.

 ب.الانزياح:

"اشتعلن مع الورد والزعتر"

البلدي .افتتحن نشيد التراب .دخلن العناق

النهائي"

يعرف النقاد البرجوازيون الانزياح بانه  الخروج عن المالوف في اللغة الطبيعية ,وهو كما يظهر خروج ميتافيزيقي ,احادي الجانب,نرى مرة اخرى عجز المنهج الميتافيزيقي السكوني عن اعطاء النقد شيئا يذكر,ولان المنهج الديالكتيكي هو وحده القادر على تحليل ظاهرة الانزياح اللغوية ,باعتبارها فكا للتناقض القائم بين ما توفره اللغة من امكانيات وبين ما يختاره الاديب .

استعمال الشاعر لفعل "اشتعل"يجعلك تتوقع ان الفاعل شيء قابل للاشتعال ,لكنك تتفاجأ بالفعل يصدر عن الانسان ,ويمعن حرف الجر العامل في لفظتي "الورد والزعتر "ويجعلك تتقبل ذلك بسلاسة .

إن الفعل يصدر تلقائيا في حركة التحام وتماه مع الارض.تدخل البنات الخمس العناق النهائي لياتي آذار من باطن الارض ,مما يكشف مرة اخرى التصور الجدلي للحياة في القصيدة.

ج.التركيب النحوي:

يقوم التركيب في المقطع الاول على الجمع بين الجملة الاسمية والجملة الفعلية,حيث تفيد الجملة الاسمية السكون ,بينما تفيد الجملة الفعلية الحركة.فيكون التركيب إذا هو حل التناقض القائم بين الاسم والفعل .الا ان الفعل في المقطع يهيمن على الاسم ,مما يبين الطابع الحركي الذي يسود القصيدة عموما,على اساس كون الحركة هي الحياة.إن الفلسطيني يؤمن بالفعل بالحركة بالحياة.وهكذا نلاحظ ان الشكل عموما يتاسس على الجدل (صراع الاضداد) حيث يتصارع السكون والحركة محدثين ايقاعا ,ويتصارع المشبه والمشبه به محدثين صورة شعرية ,ويتصارع الاسم والفعل محدثين تركيبا. 

بهذا نكون قد ساهمنا في تعرف كيفية تشكل المعنى في شعر درويش ,وبقي لنا ان نرصد خصوصية ذلك المعنى .

 خصوصية المعنى في شعر درويش يحددها المصدر الذي يتولد منه .إننا ماركسيون ,وقد علمتنا الماركسية أن ننظر الى الامور منطلقين من الحقائق الموضوعية القائمة لا من التعريفات المجردة .

شعر درويش انعكاس فوقي فني للنضال التطبيقي الذي خاضته الجماهير الشعبية في فلسطين ضد المحتل .ان روعة شعره ترجع الى روعة العمل الثوري الدؤوب للانسان الفلسطيني ,فالواقع الموضوعي واقع حركة التحرر الوطني الفلسطينية هو مصدر المعنى في شعر درويش .ولذلك ينبغي قراءة شعره انطلاقا من هذه الحقيقة ,صحيح ان الكتابة الشعرية عملية فردية ,لكنها فردية من حيث شكلها فقط ,اما من حيث محتواها,فكلما كان اشد ارتباطا بحياة ونضال الشعب كان اكثر خصبا وعطاء . 

وفي نضال الطبقات ,في حركة الجماهير ,تنشا الحاجة الى افراد بارزين ,شعراء بارزين يسهمون في تصوير العمل الثوري وتطوير الفن بناء على ذلك . 

ان شعر درويش تعميم لارث العمل التطبيقي للجماهير ,تصوير لعملها الثوري ,وشعره ايضا تعبير مركز عن تلك الامكانيات التي يقدمها هذا العصر من اجل التطور المقبل للثقافة الانسانية. 

تركيب:

من خلال المقطع الذي سبق لنا تحليله تبينت لنا الكيفية التي فك بها درويش التناقض القائم بين الشكل والمضمون ,حيث وحد بينهما بطريقة جدلية ,وبقي لذلك وفيا لخط الجماهير الذي يطالب بالوحدة بين المحتوى السياسي الثوري والشكل الفني ,فالاعمال الفنية الخالية من الجودة الفنية لا اثر لها مهما كانت تقدمية من الناحية السياسية .كما تبين لنا ان المعنى قائم في الواقع الموضوعي ,في العمل الثوري الذي تباشره الجماهير الشعبية.

 





هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



الانتهاء من تصنيع أحدث جهاز رصد للضوء في عمق الفضاء

عشرات يقاضون "بى بى سى" بسبب فضيحة جنسية لأحد مذيعيها

احتجاجات عارمة في إثيوبيا ضد الاعتقال السياسي

ظلال الضوء معرض للفنان الفوتوغرافي عبد الغني بيبط

طلحة جبريل: الصحافي المقاول جلب أضرارا وتشوهات للمشهد الصحافي

نريد وساما

الجزائر: رئيس حكومة سابق يدعو لتغيير النظام

انتفاضة السودان متواصلة ضد الزيادة في الأسعار: 27 شهيدا في حصيلة رسمية

رابور أخر في السجن بتونس، بسبب عداء الشرطة للراب

الجريمة المزدوجة لأنوزلا: يا علي، لماذا أغضبت الإله؟

العلمانية / الديمقراطية، والمساواة بين الجنسين... أي واقع؟ وأية آفاق؟

الرؤية الجدلية إلى الحياة والموت عند محمود درويش: قصيدة ’’الأرض‘‘ نموذجا