أضيف في 18 فبراير 2014 الساعة 22:15


’’هكذا تكلمت درعة‘‘ مشروع توثيق التراث اللامادي



- لحسن آيت لفقيه -

عن «منشورات القصبة»، وبدعم من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتحت إشراف الأستاذ عبد العزيز الراشدي، صدر عام 2013 الطبعة الأولى من «مشروع توثيق التراث اللامادي بواحات وادي درعة» سمته «هكذا تكلمت درعة». ولقد أهداني نسخة من الكتاب أحد الأصدقاء الأعزاء، وإني سأنكب عليها وسأعتكف طويلا، لما للعمل من أهمية. والمشروع كتاب في 550 صفحة من الحجم الكبير، رسمُه عربي محض، ولو في الفصول التي حوت الأمازيغية ذات صلة بمصمودة (إمزموطن).

انتظم الكتاب، فضلا عن المقدمة، في ثلاث عشرة فصلا، ثلاثا منها مخصصة للتراث الأمازيغي، ولا شيء، في الغالب، عن الحسانية التي تعد مكونا ثقافيا بمنطقة درعة، وكل النصوص أشعار، ولا أمثال ولا نثر.  والغاية من المشروع، كما ورد في المقدمة، تدوين «تراث إنساني عميق مهدد بالزوال»، وبث هذا التراث، ريث جمعه، في نطاق واسع. ذلك أن هناك مجهودات الطلبة الفردية، لكنها محفوظة في رفوف خزانات الكليات، وقلّ ما تصل القارئ.

والكتاب «أول تجربة لجمع هذا الكم من النصوص، بهذا التنوع، وبهذه الغزارة». ذلك أن منطقة درعة التي لحقها الإهمال، والذي تدركه العين المجردة في نظرة أولية لمنظر من«القصبات والقصور والأبنية التي تركت عرضة للإهمال، تفعل فيها الطبيعة فعلها، وينحت التاريخ فيها مجراه، لتذوب وتصبح هشيما تدروه الرياح»، وهذه، حسب ما ورد في مقدمة الكتاب، «صورة أخرى، لإهمال يطال الإنسان والثقافة والموروث عموما». ذلك أن عدم الانتباه ,’’للتراث المادي واللامادي، يجعل أهم ما تمتاز به درعة، وهو الموروث الثقافي، وأهم مقومات تثمينها، خارج دائرة الاهتمام‘‘.

إن الإقدام على جمع التراث الشفاهي عمل جبار، ومبادرة لا يمكن القول عنها سوى، أنها حسنة، وهي تجسيد لحلم طالما أزعج الغيورين في الجنوب الشرقي المغربي، لأن هم جمع التراث الشفاهي ثقيل.

لقد كاد كل شيء أن يزول سوى التاريخ والحضارة التي صنعها الإنسان، كما ورد في المقدمة، منذ العصور الرطبة، وإلى التحولات المناخية التي حملت معها شريطا صحراويا يعزل أفريقيا جنوب الصحراء، عن أفريقيا شمال الصحراء، وإلى وصول جمل إيران، سفينة الصحراء، لفك العزلة عن المنطقة، ابتداء من القرن الخامس الميلادي. ولا يجب أن ننكر حضارة واد الزيتون الذي أصبح يسمى (درا)، أو درعة، لما شاء القدر أن يعرّب. ويغلب على الظن أن لكلمة (درا) الأمازيغية علاقة ب(تادراويت)، أي: الإشتراكية. وإذا لم تكن الدلالة صحيحة، فمنطقة درعة لا تزال تحمل قيم التضامن والتعاضد، والتآزر.

وكلنا يعلم أن القيم التي نشأت في واد الزيتون لا تزال حاضرة في الجنوب الشرقي المغربي، وهي في حاجة إلى الرصد والتدوين. نعم، لقد كاد كل شيء أن يزول سوى «أهمية الكلام. إن نصوص درعة كلام مفيد، يعطي صورة واضحة عن الماضي والحاضر، لقد أنتج الدرعيون كلامهم في سياقات متداخلة: في الفرح والحزن، والسلم والحرب، والرخاء والضيق»، حسب المقدمة، لذلك فجمعه وتدوينه يقضي تصنيفه بشكل موضوعاتي في فصول معنونة وموسومة، ولا يمكن أن يكون إلا كذلك جريا على التصنيف الأدبي. لكن الحال أن التصنيف الذي يقضيه جمع التراث الشفاهي، بما هو حفر لا يقل أهمية عن الأركيولوجيا، يحتم اعتماد معايير أخرى.

لقد تضمن الكتاب أخطاء شكلية، كنا ارتكبناها عن غير قصد، ريث إقدامنا، كفريق معلوم أعضاؤه، على تدوين التراث الشفاهي بمنطقة تافيلالت، في بحر سنة 2007. ولا غرو، فالعمل في كلتا المنطقتين، درعة وتافيلالت، وإن كان يهون الصعاب على الباحثين، فإنه مجرد من أي تصنيف إثنوغرافي قبلي، ولم تتحكم فيه الجغرافية الثقافية، إن صح هذا التعبير. ذلك أن البحث من نوعه، يقضي بيان الموضع والهوية الثقافية، فوق أن التراث الشفاهي متصل بالذاكرة، وبالهوية الثقافية، وبالتالي، ليس من الشرط أن يكون متنه موضوعيا، ما دامت الذاكرة الجمعية [المصطلح المفيد هنا] ذاتية، بقدر ما يشكل أساسا لبحث علمي يعقبه، بحثٍ ليس بالضرورة أن يكون ذا صلة باللغة والآداب. وبالتالي، ظل من الصعب تحديد المناطق التي لحقها المسح، والتي تنتظر مزيدا من الجهود، في المستقبل المنظور. وقد لوحظ غياب الحسانية، والتراث الصنهاجي لأيت عطا.

إن العمل من نوعه في حاجة إلى تضمينه في خريطة، إن لم تكن كارتوغرافيا، وهذا هو الصواب، فيمكن أن يشار إلى مكان القصيدة في الهامش، بما هو نطاق سوسيوثقافي (تينزولين، إليكتيون، إمزموطن، أيت عطا...). وقبل ذلك، خلت الفصول من مقدمات صغرى، أو بالأحرى من كلام الباحثين والمحققين، التي تموضع سمة الفصل، وتحدد كل أبعاده.

وغاب في المشروع ما يفيد وجود صيغ أخرى للكلام المدون، لأن النص الشفاهي متعدد لا يستقيم في صيغة واحدة، ولو أشير في مقدمة الكتاب إلى أن الباحثين واجهتم صعوبات من ذلك وجود «النصوص المتشابهة والمختلفة جزئيا، وغالبا ما يكون الاختلاف، في سطر أو كلمة».

إن الوقوف عند الصيغ المتعددة للنص، إن تمكن الحفر من العثور عليها، سيمكن من تملك أدوات التكييف السائدة في الوسط، وبالتالي، وجب الاستدراك إن كتب لهذا العمل أن يطبع ثانية. ومعلوم أن وجود النصوص الشفاهية برواية أخرى، لا يرتبط فقط ب«تعدد الرواة الذين يميلون إلى كلمة دون أخرى، وقت روايته»، كما ورد في المقدمة، بل يرتبط، أيضا، بتعدد الأنساق الثقافية. وإن من النصوص ما لا يمكن الفصح عنها لارتباطها بأحداث فرُض عليها أن تكون مسكوت عنها. وهناك غموض في الغايات، ذلك أن تدوين التراث الشفاهي يقضي استحضار، غاية مقاومة الزمان. ومعنى ذلك وجب الاقتصار، في أحسن الأحوال، على شفاهية مهددة بالنسيان. لذلك، وجب جمع ما حافظت عليه الذاكرة، في الحال، ويمكن تشجيع الشعراء الأحياء على تدوين أشعارهم، وإصدار دواوين لهم، وإلا أضحى مشروع جمع التراث الشفاهي، مناسبة لنشر إبداعات جديدة، عاصرت عصر انتشار التدوين.
وفي جميع الأحوال، إنها مقدمة حسنة «لمشاريع أخرى كثيرة» من نوعها. نأمل المواظبة والاستمرار، والأخذ بيد الفريق الساهر على إخراج هذا المنتوج إلى الوجود.




هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



’’هكذا تكلمت درعة‘‘ مشروع توثيق التراث اللامادي

’’هكذا تكلمت درعة‘‘ مشروع توثيق التراث اللامادي