أضيف في 20 نونبر 2013 الساعة 03:32


عبد الرحيم الخصار: حول استعادة عبد الكبير الخطيبي



- عبد الرحيم الخصار -

  شاعر من المغرب  

كانت حياة عبد الكبير الخطيبي شاسعة اتسمت بالسجال الفكري الذي استهله الراحل في بداياته حين واجه المفكر الوجودي بول سارتر بكتاب نقدي جريء حمل عنوان “دموع سارتر” في فترة لم يكن أحد يجرؤ خلالها على الوقوف ضد المدّ السارتري الجارف. حينها كان سارتر متحمسا لمشروع الدولة اليهودية، متحججا بالتاريخ “المأساوي” لليهود و الرغبة في الإنصاف، فكتاب الخطيبي يدافع عن حق الفلسطينيين في الحياة منتقدا موقف سارتر و مشبها دموعه بدموع التماسيح. واتسمت حياة الراحل أيضا بالبحث العميق و الرصين في الفكر و النقد الأدبي و علمي الاجتماع و السيميائيات، إضافة إلى الإبداع الروائي و الشعري و المسرحي.

 و لد عبد الكبير الخطيبي سنة 1938 بمدينة “الجديدة” التي تقع على المحيط الأطلنطي، و هي المدينة ذاتها التي شهدت ميلاد المفكر الكبير عبد الله العروي و الروائي الراحل إدريس الشرايبي رائد الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية، إضافة إلى نخبة مميزة من رجال الفن التشكيلي و الحركة السياسية في المغرب.

     حصل الخطيبي في أواسط الستينيات على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة السوربون في فرنسا، و عمل أستاذا ثم مديرا لمعهد السوسيولوجيا في الرباط و مديرا في ما بعد للمعهد الجامعي العلمي في المغرب، أدار شؤون مجلة “Signes du présent” و رأس تحرير المجلة المغربية للاقتصاد و الاجتماع.

بعد دراسته المهمة عن الرواية المغربية  والتي نشرت سنة 1968 بالفرنسية ثم ترجمها لا حقا محمد برادة للعربية أصدر الخطيبي عن دار “دونوي” الفرنسية المعروفة أول رواية له سنة 1971 بعنوان” الذاكرة الموشومة” التي فتنت حينها الناقد الفرنسي موريس نادو، ليتحول بعدها الراحل إلى واحد من أشهر الكتّاب الذين شغلوا الساحة الثقافية المغربية و الفرنسية على السواء خلال فترة السبعينيات.

وقد صنفت الذاكرة الموشومة كسيرة ذاتية تألقت فيها  لغة الخطيبي و تميزت رؤيته الفنية بحس فلسفي عميق، لتتوالى أعماله التي كان إشعاعها يصل باريس و بيروت ودمشق و القاهرة  حب بلغتين – صيف في ستوكهولم –   كتاب الدم – المغرب المتعدد- صورة الأجنبي في الأدب الفرنسي- فن الخط العربي- إهداء للسنة المقبلة- النبي المقنّع- التفكير في المغرب- الاسم الجريح- الصهيوينة و الضمير الحزين- عن الليلة الثالثة و الألف – كتاب مغاربة- المغرب العربي وقضايا الحداثة – وفاة الفنانين…).

وقد ترجمت أعماله الصادرة أساسا بالفرنسية إلى عدة لغات كالعربية والإنجليزية والإسبانية والإيطالية والألمانية واليابانية، كما حصل على جوائز عالمية  كالجائزة التي تمنح في مهرجان “لازيو بين أوروبا والبحر الأبيض المتوسط” في إيطاليا، و جائزة “الربيع الكبرى” التي تتكفل بها جمعية “أهل الأدب”، الجمعية الثقافية الفرنسية العريقة التي أسسها سنة 1838 مجموعة من أشهر الكتاب الكلاسيكيين في فرنسا، كبلزاك و أليكسندر دوما و فيكتور هيغو، و قد جاءت هذه الجائزة تتويجا لمسار الكاتب و تكريما له و تنويها بمجمل إبداعاته الشعرية التي صدر بعضها خلال الفترة الأخيرة في ثلاثة مجلدات عن دار “لاديفيرانس “، و يعتبر الراحل أول مغربي و عربي يحظى بهذه الجائزة.

عاش الخطيبي مشغولا بإشكالية الهوية التي كانت و لازالت تطرح بحدّة، خصوصا في دول المغرب العربي، يقول في مؤلّف ترجمه أدونيس إلى العربية:”نتابع الثرثرة بلا حياء حول استعادَةِ الهوِية وحول الولادة العربية الثانية. ولادة ثانية أَي شيء؟ الولادة من جديد في الفكر هي المصير المأثور للأشباح، للموتى الذين يكلِّموننا. نحن تُرَاثَوِيُّون بنسيان التراث، مَذهبِيون بنسيان فكر الكائن، وتقنيون بالعبودية. مَن دَجَّننا هكذا حتى يصبح مثل هذا النسيان شأْنا يتكرر جيلا بعد جيل؟”

لقد كان صاحب “الاسم الجريح” يصف التاريخ بأنه :”مسكن الإِنسان ومنبت هويَّته المتعددة”  رافعا دعوته التجديدية :” ما يلزمنا هو أن نتجاوز، من الجوانب جميعاً، الصورة الضيقة التي نملكها عن أنفسنا وعن الآخرين، وأَن نُدخل في المعرفة فسحة ذات محاور استراتيجيّة متعددة، وأَن نفرغ الكتابة التاريخية من المطلقات المركزية التي تقيد الزمان والمكان وتقيد جسم الشَّعب”.

“يريد الآخرون أن يؤطروني في خانة ما؛ والحال أني ممتهن لقياس المساحات” هذه واحدة من أشهر أقوال الخطيبي الذي سيترك رحيله بالضرورة فراغا كبيرا في الأدب و التأريخ و السوسيولوجيا، فمؤلف “دموع سارتر” ليس رجلا عاديا، إنه واحد من القلائل الذين يتمتعون بوطنية حقيقية، ومن القلائل الذين ساهموا في رفع اسم المغرب عاليا بما خلفه من نتاجات فكرية و أدبية و بما ألقاه طوال حياته من محاضرات و دروس جامعية.

 وهو فضلا عن كل ذلك مثقف مؤدب وديع هادئ و أنيق، ثم إنه شاعر مميز، ترك كتابا إشكاليا لا يزال الكثيرون يحتارون في تصنيفه، و يتوجسون من إقحامه في خانة الشعر، “المناضل الطبقي على الطريقة التاوية” الذي صدر باللغة الفرنسية سنة 1976 وترجم إلى العربية سنة 1986، و يتقاطع هذا العمل مع كتاب “التاو” للاوتسو، حيث جاء مبنيا على التأليف الشذري الذي يجمع بين الفكر و الأدب شأن أعمال سيوران و نيتشه و ميشو و هايدغر و روني شار.

وفي هذا العمل يبدو أنه ليس للخطيبي في وجهته الإبداعية من ملهم أو قوي خارقة أو خطاب علوي يستند عليه شأنه شأن الحكماء وشأن التاو نفسها، بل منبع الكتابة هو الواقع وما راكمه التاريخ من تجارب إنسانية، والقوة الخارقة هنا هي قوة النص، النص الذي توخى منه صاحبه أن يعلّم و يضيف:“ولكنني أعلمك الاختلاف الذي لا رجوع منه/ وأضيف إلي قيثارك وترا يهتز “.

وبقراءتنا للأعمال الإبداعية و الفكرية للخطيبي سنكتشف أنه فعلا عاش يدعو  إلى  المغايرة والاختلاف والتأسيس لفكر مغاير ووعي يؤمن بمغايرته وضرورتها، غير أنه لم يكن  يريد من العالم أن يصير عالمه هو حسب مقاسه ورؤيته فقط أو حسب أية رؤية ضيقة ومقاس مسبق، فهو الذي قال:
“إذا انقلبت جميع الشعوب إلى اللون الأحمر/ فماذا سيبقى من قوس قزح؟”

khassar@gmail.com




هام جداً قبل أن تكتبو تعليقاتكم

اضغط هنـا للكتابة بالعربية

 

أضف تعليقك على الخبر
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



البكاء على الميت..

رجاء بني ملال- يوسفية برشيد:2- 0

ش. قصبة تادلة- ات. المحمدية: 0- 0

مسيرة احتجاجية لتنسيقية حركة 20 فبراير بزاوية الشيخ

جمعية الأطلس المتوسط لبائعي السمك بالجملة والتقسيط بني ملال تؤسس مكتبها

زراعة الكيف تجارة مربحة وجب تقنينها ؟

اجتماعات مجموعتي عمل الحماية والنهوض للجنة الجهوية لحقوق الانسان ببني ملال

جامعة السلطان مولاي سليمان- بني ملال وأنامل الإبداع

محمد بنسعيد أيت إيدر في ضيافة جميعة "تنمية بلا حدود" ببني ملال

إحتفالا باليوم العالمي لحرية الصحافة جمعية الأعالي للصحافة بأزيلال تدعو إلى مكتسبات جديدة في حرية ال

رحيل محمد شبعة.. فنان تقاطع الثقافات

رحيل سالم يفوت: «الفلسفة هي الإنسان»

الشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار ينشر ديوانه الجديد بمصر، والموتى يتجولون في عروقه

الشاعر عبد الرحيم الخصار : أعطوني أسرع حصان .. لقد قلت الحقيقة للملك

عبد الرحيم الخصار: حول استعادة عبد الكبير الخطيبي

خيانة الرهبان: شفيق السحيمي والقساوسة ومجمع الكرادلة

حصيلة الأدب المغربي خلال سنة 2013: الشعر في الصدارة والنقد لازال متأخرا

السنوسي الممنوع في المغرب يعود ليحاكم ’’أبو نهب‘‘

وفاة طالب بفاس بعد مواجهات طلابية بسبب حامي الدين

تسريبات بشأن مقتل الحسناوي تخلط الأوراق: المتهم ليس قاعديا وكان بيجيديا